القوة الغاشمة وحدها مهما بلغت لا تحقق الأمن ولا تحمي المصالح ولا تجلب السلام بالحروب، لكن السياسة العادلة والعاقلة وحدها تحقق الأمن وتصنع المصالح وتجلب السلام من دون حروب، الحروب العدوانية الجارية في عصرنا خصوصا على أرضنا وضد شعوبنا أثبتت أنها أكبر المشاريع الاستثمارية فشلا وخسارة إنسانية ومادية ومعنوية، لأنها تنشر الخوف وتخلف الجوع والإفلاس المالي والأخلاقي معا ولو بعد حين.

وهذا حال الحروب العدوانية الصهيونية في فلسطين التي استطاعت أن تنتصر عسكريا فحصلت على الأرض لكنها لم تستطع الحصول على الأمن ولا على السلام، وفشلت عسكريا لكنها لم تستطع أن تتعلم درس الماضي ولا الحاضر، وها هو أولمرت يحصد الخيبة ويدفع ثمن الفشل..

وهذا أيضا حال الحروب الأميركية العدوانية من فيتنام مروراً بأفغانستان ونهاية بالعراق ولبنان استطاعت فيها أن تحتل أرضاً وتدمر بلاداً لكنها لم تستطع أن تكسر إرادة أو تحقق نصرا، ولم تحصد سوى الخوف والكراهية والعار والفشل.. وأخيرا الإفلاس السياسي والعسكري والأخلاقي.. وأخيرا المالي.. وهاهو بوش يشعر بالخيبة ويحصد المرارة ثمنا للفشل!

والحرب.. أي حرب إما أن تكون عادلة أو عدوانية.. دفاعية أو هجومية..تحريرية أو غازية، باختصار مشروعة أو غير مشروعة، وكل حرب لها طرفان، معتدي لا يمكن أن يكون الحق معه، ومعتدى عليه له كل الحق في الدفاع عن نفسه بجيشه وشعبه ومقاومته، ولا مشروعية لهجوم إلا مشروعية الهجوم على عدو يحتل الأرض.. لكن الحروب الاستباقية أو الحروب بالنوايا لا يمكن أن تكون مشروعة .

وفيما شهده ويشهده العالم من حروب يثبت كل يوم أن أطراف الحروب كلهم خاسرون، المنتصرون والمهزومون على السواء، ففي ذروة الدراما الإنسانية بما تصنعه من مآس وما تخلفه من معاناة يبدو كل الأطراف في الحروب خاسرون إنسانيا وماديا، وبعيدا عن نتيجة الحرب بالنصر أو الهزيمة العسكرية، فإن الفارق كبير بين منتصر ومنتصر وبين مهزوم ومهزوم.

فالمنتصر دفاعا عن الحق لا يستوي مع المنتصر عدوانا بالباطل، والمهزوم ومعه الحق أشرف من المهزوم بالباطل بل ومن المنتصر بالعدوان مهما بلغت قوته، وباستمرار مقاومته لهذا العدوان لابد له في النهاية من أن ينتصر ولو بعد حين.

القوي الظالم قد يكسب عسكريا لكنه بالتأكيد يخسر سياسيا ويخسر إنسانيا وماديا والأهم أنه يخسر أخلاقيا في نظر شعوب العالم، وقد يخسر عسكريا رغم جبروت قوته لأن المقاتل دفاعا عن حق مشروع أقوى من المقاتل عدوانا غير مشروع، وهنا تكون هزيمته مضاعفة، ومحل سخرية بل الشعوب.

ومع ذلك تنشأ الحروب العدوانية من الطبيعة العدوانية لمن يورط الشعوب في تلك الحروب سواء من قادة سياسيين يغريهم فائض القوة لدى جيوشهم، ويتطلعون للهيمنة الإمبراطورية الاستعمارية ولفرض إرادتهم على غيرهم من الدول الأضعف أو الأصغر، أو من تجار الحروب أصحاب المصلحة الاقتصادية في نشوب الحروب نتيجة الأطماع في ثروات غيرهم من الشعوب.

لكن يبقى السلام هو أحب أسماء الله، ويبقى السلام القوي العادل وحده هو رب شعوب هذا العالم،و لهذا تتوق شعوب العالم إلى السلام وتكره الحرب، إلا إذا فرض عليها القتال ظلما وعدوانا وهو كره لها، عندما ترفض الاستسلام ويكون هو الخيار الأخير لها لاستعادة أرضها أو حقوقها أو كرامتها.

mamdoh77t@hotmail.com