كلما استمعت لسارة بالين المرشحة لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الجمهوري، أدركت أن الأميركيين سيقدمون على مخاطرة حقيقية بمستقبل بلادهم إذا ما حملوا ماكين وبالين إلى البيت الأبيض في نوفمبر. فسارة بالين نفسها تمثل سببا إضافيا لخطورة فوز الجمهوريين هذه المرة لسبب لاعلاقة له بانعدام خبرتها.
أما السبب الأول لخطورة فوز ماكين فيتمثل في أن الرجل من واقع سجله السياسي وما أقدم عليه من مواقف وقرارات في حملته للرئاسة هذا العام. سيمثل على الأرجح امتدادا لسياسات بوش الداخلية والخارجية المسؤولة عن الوضع الكارثي الذي تعانيه أميركا اليوم في الداخل والخارج.
فالتركيبة الفكرية التي عبرت عنها إدارة بوش سوف تكون على الأرجح هي ذاتها التي تحكم عمل إدارة ماكين. فماكين أحاط نفسه بمستشارين للسياسة الداخلية والخارجية ينتمون لتيار المحافظين الجدد ويسعى للفوز بأصوات اليمين الديني الأمر الذي يرجح أن تعبر سياسات إدارته عن هذين التيارين دون غيرهما من التيارات الأكثر اعتدالا وعقلانية في الحزب الجمهوري.
أما السبب الثاني في المخاطرة التي يحملها فوز ماكين فيتعلق بما إذا عجز الرجل عن استكمال مدة رئاسته وتولت بالين الرئاسة خلفا له. فماكين يبلغ من العمر اثنين وسبعين عاما وصاحب تاريخ من الإصابة بأمراض عضال. والمشكلة ليست في الواقع في انعدام خبرة سارة بالين.
فالكثير من الرؤساء الأميركيين السابقين وصلوا إلى الحكم وأداروا الدفة بطريقة معقولة دون أن يكون لهم سابق خبرة في مجال السياسة الخارجية ولا حتى بالعمل السياسي على المستوى الفيدرالي الذي يختلف بطبيعته عن العمل في الولايات.
ويكفى القول إنه من بين آخر خمسة رؤساء تولوا الحكم في الولايات المتحدة الأميركية كان بوش الأب فقط صاحب خبرة بالعمل السياسي الفيدرالي وبالسياسة الخارجية قبل أن يتولى الرئاسة. أما كارتر وريجان وكلينتون وبوش الابن فكلهم كانوا مثل سارة بالين حكام ولايات حتى يوم تنصيبهم رؤساء لأميركا.
المسألة إذن لا علاقة لها بمحدودية خبرتها أو حتى انعدامها وإنما تتعلق بأمر آخر تماما ربما لم يشارك سارة بالين فيه بالدرجة نفسها سوى بوش الابن. فخطورة سارة بالين في جهلها المطبق بالشؤون الخارجية والداخلية وليس في انعدام خبرتها. وهو جهل تصاحبه نبرة أيديولوجية لا تخطئها العين. فتلك التركيبة من الجهل والأيديولوجية معا هي التي تمثل الخطر الحقيقي على الدولة العظمى ومن ثم على العالم كله.
فقد كشفت سارة بالين عبر الأسابيع القليلة الماضية عن جهل فاضح لا فقط بالشؤون الخارجية والداخلية وإنما بالتاريخ الأميركي نفسه. فمن الأمور بالغة الدلالة أن بالين عجزت عن أن تذكر- إلى جانب القرار الذي ذكرته في محاورتها- قرارا واحدا من قرارات المحكمة العليا لا توافق عليه.
فالمحكمة العليا الأميركية تلعب دورا محوريا في صنع السياسة الأميركية. فهي مثلا التي قننت الفصل العنصري وهي أيضا التي وضعت له حدا في مرحلة لاحقة.
وهي التي قننت الإجهاض ورتبت علاقة الدين بالدولة وعلاقة المال بالسياسة إلى آخر ذلك من القرارات التي غيرت وجه الحياة والسياسة في أميركا. لذلك فإن هذه القرارات تدرس في المدارس الأميركية كجزء من مادة التاريخ الأميركي ويعرفها الأميركيون عن ظهر قلب لأنها أثرت في حياتهم بشكل مباشر!
وسارة بالين التي تقدم نفسها باعتبارها «وطنية» تضع «أميركا أولاً» وتفخر بدورها كأم من أولئك الأمهات اللائي يصحبن أولادهم فجرا لتدريبات الهوكي لا يعلم إلا الله طبيعة دروس «الوطنية» التي تلقنها لأبنائها إذا كانت تجهل تاريخ وطنها!
كما كشفت بالين عن عقلية تميل نحو التبسيط المذهل. فهي تصر مثلا على أن موقع ألاسكا الجغرافي يمنحها كحاكمة لتلك الولاية رؤية متميزة في الشؤون الخارجية لأنك تستطيع من ألاسكا أن ترى روسيا!
وجهل المسؤول السياسي المنتخب بالأمور التي يتولى اتخاذ قرارات بشأنها يمنح فورا صلاحيات هائلة للمستشارين الذين لم ينتخبهم أحد.
أما إذا ارتبط ذلك الجهل باليقين الأيديولوجي يتحول الأمر إلى خطر حقيقي. فالمؤمن بأيديولوجية ما لا يشعر بأي حاجة لسبر غور قضايا معقدة ولا لفهم العلاقة المركبة بين تلك القضايا بما يحمله ذلك من عدم يقين بشأن الحلول الأفضل. فالأيديولوجيا عدسة مريحة يمكن من خلالها تفسير كل شيء في العالم وهي تقدم إجابات سهلة فيها الأبيض والأسود فقط ومن ثم فهي تحمى صاحبها من المناطق الرمادية التي تحتاج لإعمال العقل والتفكير.
ومن هنا فإن أصحاب الأيديولوجيا لا يعترفون بجهلهم ولا يسعون للتغلب عليه، وهم أيضا على ثقة كاملة بما يفعلون وعلى يقين كامل بصحة وجهة نظرهم. ولذلك لم تكن مفاجأة أن تعجز بالين في حديث تلفزيوني عن ذكر أسماء الصحف التي تقرأها بانتظام وأن ترفض في المناظرة الإجابة عن بعض الأسئلة التي لم تحفظ إجاباتها بل وتعلن صراحة رفضها الإجابة!
وكلما استمعت إلى سارة بالين تذكرت بوش الابن. فبوش الابن قال أكثر من مرة إن الله طلب منه غزو أفغانستان ثم العراق. وسارة بالين تحدثت هي الأخرى عن أن ابنها الذاهب كجندي إلى العراق هو في مهمة من الله.
المذهل في ذلك كله أن هذا الجانب تحديدا لا يلقى اهتماماً يذكر في أميركا، إذ يتم تصوير المسألة وكأنها مسألة خبرات يمكن اكتسابها وليس تركيبة من الجهل والأيديولوجيا للأميركيين تجربة مريرة معها في شخص الرئيس الحالي. ويحدث ذلك في انتخابات مصيرية لعلها الأهم على الإطلاق منذ أربعة عقود على الأقل!
كاتبة مصرية
