الدول الأوروبية الأربع الكبرى ـ بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ـ دعت في بيان لها في ختام اجتماع قمة، إلى عقد قمة دولية في أسرع وقت لإعادة النظر في قواعد الرأسمالية المالية».

إنها بالطبع ليست دعوة إلى مراجعة «طبيعة» النظام الرأسمالي، بمعنى تغييره من الجذور وتبني نهج اشتراكي كدليل نظري لحركة الاقتصادات الوطنية في الغرب.

مع ذلك فإن الدعوة لا تخلو من درس استخلصه قادة أوروبا الكبار وتتردد أصداؤه في الولايات المتحدة، وهو أن حركة الاقتصاد الوطني عامة وحركة الاستثمار في الأسواق المالية خاصة، لا يجوز أن تترك «على حل شعرها». فالدولة ينبغي أن تفرض نفسها بالتدخل لإلزام أصحاب رأس المال الخاص بمراعاة ضوابط محددة.

وما كان لهذا الدرس أن يكون متاحاً لولا الكارثة المالية العظمى التي اجتاحت الأسواق المالية في الولايات المتحدة، حيث يكاد دور الدولة أن يكون غائباً تماماً.

وهنا يطرأ تساؤل: إذا كانت دول أوروبا الكبرى قد استوعبت الدرس وقررت مبدئياً الإفادة منه تطبيقياً.. فهل تستوعبه دول العالم الثالث؟ في الدولة العالمثالثية تجري عملية تغييب منظمة لدور الدولة وإشرافها على مجمل الاقتصاد الوطني. وهذا التغييب المنظم تفرضه الولايات المتحدة على الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، عن طريق «صندوق النقد الدولي».

هذا الصندوق «الدولي» ليس دولياً. ذلك أن آلية صنع القرار على المستوى الإداري الأعلى لهذه المؤسسة المالية، خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة ـ الدولة العضو التي تملك وحدها نسبة 40 في المائة من رأسمال الصندوق. الصندوق إذن هو الذراع المالية التي تستغلها واشنطن للتحكم في توجهات حركة الاقتصاد الوطني في دول العالم الثالث، بهدف تقزيم دور الدولة.

كيف؟ في مقدمة الآليات التي تستخدمها إدارة الصندوق، تفكيك القطاع العام في تلك الدول، بأن يفرض عليها برامج خصخصة منظمة لبيع المؤسسات الإنتاجية والخدمية المفتاحية (وبأبخس الأثمان)، إلى أصحاب شركات خاصة تعمل غالباً كوكيل لشركات أجنبية.. بما في ذلك مؤسسات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأساسية الأخرى كالكهرباء والماء.

لقد آن الأوان لدول العالم الثالث ـ ومن بينها دول عربية ـ التمرد على الاستعمار الاقتصادي الذي يمثله صندوق النقد الدولي.. خاصة أن تداعيات الكارثة المالية الأميركية تنبئ بأن النفوذ الدولي للولايات المتحدة دخل مرحلة عد تنازلي.

opinion@albayan.ae