العودة العربية المتتالية، في الآونة الأخيرة، إلى بغداد؛ تؤشر إلى حالة استدراك وتصحيح، طال انتظارها. كما تؤشر إلى نشوء مقاربة جديدة وسليمة، فرضتها وشجّعت عليها ظروف؛ بات من المصلحة العربية، أخذها في الاعتبار؛ وبالتالي إعادة النظر في الحسابات، على ضوئها. منذ عام 2003 غاب الحضور الدبلوماسي العربي، بصورة كاملة تقريباً، عن العاصمة العراقية.

ظروف الاحتلال واعتباراته، فضلاً عن التحفظات والدواعي الأمنية.؛ كلها تضافرت لتجعل من مثل هذا الغياب أمراً واقعاً. ثم جاءت حوادث خطف واغتيال لسفراء عرب في بغداد، بين عامي 2003 و2005، لتزيد وتعزّز من الموانع المشروعة، وتطيل بالتالي من أمد الغياب.

وفاقم من ذلك، دخول الساحة العراقية في دواّمة دموية وفي تعقيدات إقليمية؛ زادت من اضطراب البوصلة العربية. مع ذلك، جرت في تلك الفترة محاولات، ولو يتيمة، للتقريب بين الأطراف.

بذلت الجامعة العربية وعواصم عربية، جهوداً للمصالحة. عقدت لقاءات موسّعة، بين أطراف عراقية. تحدّدت مواعيد لمؤتمرات. لكن لم يكتب لها النجاح. الدور العربي كان غير مرغوب، بل ومحارب. الإصرار على الاستئثار بالساحة العراقية، ما كان يطيق رؤية اليد العربية في القضية. وجودها يفسد مثل هذه الخطط. كان المطلوب ترك المسرح خالياً لأصحابها. وبالفعل هذا ما حصل، إلى حدّ بعيد.

الآثار كانت سلبية، من كافة الجوانب. فمن جهة بدا للكثيرين، في العراق، وكأن هناك حالة من التخلي العربي عنهم. ولو أن الأمر، في حقيقته، لم يكن كذلك. خلق ذلك مزيجاً من المرارة والعتب. ومن جهة أخرى صار هناك ما يشبه حالة انقطاع، مع الداخل العراقي؛ السياسي والشعبي.

ثم أنه أدّى إلى ما يشبه ترك الحبل على غاربه، للاحتلال، كما للقوى الإقليمية؛ كي تمعن في تفرّدها بالشؤون العراقية. خاصة في الآونة الأخيرة، حيث بات البلد يقترب من استحقاقات كبيرة، مثل «الاتفاقية الأمنية»، المزمع توقيعها بين بغداد وواشنطن؛ وأيضاً الاستحقاق الانتخابي؛ فضلاً عن الإصلاحات الدستورية الموعودة والمصالحة الوطنية، التي استعصت حتى الآن والتي لا مدخل سواها لقيام العراق واستعادته لعافيته، كدولة ومجتمع، من جديد.

الزيارات المتعاقبة التي قام بها إلى بغداد، عدد من الزعماء وكبار المسؤولين العرب؛ في الآونة الأخيرة؛ وما رافقها من عودة للسفراء أو من تحديد مواعيد قريبة لعودتهم؛ تشكل بداية نوعية، مطلوب تطويرها وتوسيعها. أهميتها أنها تأتي بمثابة قرار يستبدل الابتعاد بالتقارب؛ والتفرج من بعيد بالتفاعل. والأهم أن يكون عنوانها، في الجوهر والمدلول: العراق شأن عربي وممنوع بعد الآن ترك ساحته.