استقبل العرب يوم أمس الذكرى الخامسة والثلاثين لحرب تشرين التحريرية وهم في أسوأ حالاتهم السياسية والاقتصادية والأمنية، وتردي أوضاعهم التضامنية.. هذا التضامن الذي جعل للحرب زخماً حقيقياً، وقدرة على صنع دروس في القتال والتضحية، أسقطت مقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، ورسمت معالم طريق المستقبل الذي كان يفترض بالأمة أن تسلكه، مستفيدة من انتصاراتها في جبهات القتال.

من المؤسف أن نرى الآن أن لا شيء في واقع الأمة يشير إلى العودة لروح حرب تشرين واستلهام قيمها، بعدما ابتعد العرب عن روح التضامن وغلّبوا المفاهيم القطرية على وحدة العمل والرؤى، فظلت منطقتنا في قلب الخطر والاستهدافات الأميركية ـ الإسرائيلية، وظل السلام العادل والشامل بعيد المنال في ظل هذا التردي العربي الذي لا يريح إلا أعداء العرب. ‏

كل هذا يدفع إلى التساؤل: ماذا جرى لنصل إلى هذا الوضع من التفكك والتشرذم؟.. وهل من العسير العودة إلى روح التضامن العربي، والعودة إلى قيم ومثل وإنجازات حرب تشرين التي أكدت قدرة العرب على الدفاع عن أرضهم وحقوقهم وإلزام المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة لإقامة السلام العادل والشامل؟ ‏

لقد أكدت حرب تشرين بما لا يدع مجالاً للشك أن السلام يصنعه الأقوياء ويفرضونه وفق استحقاقات قرارات الشرعية الدولية، وأن الضعفاء يستجدون منح الآخرين ولا يصلون إلا للفتات من حقوقهم والمساومات على أرضهم. ‏

وحرب تشرين عندما أكدت أن مطلب العرب هو السلام العادل والشامل فإنها حددت تماماً أن هذا السلام لا يمكن أن يقوم في المنطقة دون انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية المحتلة وفق قراري الأمم المتحدة 242 ـ 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام. ‏

وعلى هذا الأساس تواصل سورية جهودها للمّ شمل العرب وتحقيق التضامن العربي المنشود ليستعيد العرب مكانتهم أمام الأمم، وليتمكنوا من جديد من استعادة قدراتهم ووحدة قرارهم التي تجلت في أبهى صورها قبيل وأثناء حرب تشرين المجيدة، التي يمكن استنباط معانيها ودلالاتها ومؤثراتها في أي لقاء عربي مخلص يسعى إلى التضامن الحقيقي. ‏

وهذا كله ليس ضرباً من الأحلام بل بإمكان العرب أن تكون حالهم كما كانت قبل خمسة وثلاثين عاماً إذا هم أخلصوا النيّات وامتلكوا الإرادة الصلبة والتضامن الحقيقي في مواجهة التحديات وبناء المستقبل الواعد. ‏