بدا الاقتراح البحريني وتوقيته جريئاً من وجهة نظر المراقبين الدوليين وللذين يهمهم حل الصراعات والخلافات الإقليمية عن طريق الحوار السلمي، وهذا بالضرورة يستدعي الجلوس، إما على شكل تجمع ثابت ومحدد الملامح أو على أسس إقليمية واضحة الأهداف.
ما قاله وزير الخارجية البحرينية الشيخ خالد بن احمد آل خليفة من على منصة الأمم المتحدة كان له دوي عربي كتم أنفاس البعض فيما هلل له البعض الآخر بصمته وكواليسه، فقنبلة وزير الخارجية ربما وصلت طهران قبل أن تصل الأبواب العربية المغلقة.
ما ألقاه من أحجار في مياه راكدة وزير الخارجية البحرينية كان دعوة صريحة لقيام تجمع شرق أوسطي، دون أن يحدد من هي تلك الدول، ولكن لكثرة ترداد الأغنية حول هذا التجمع صار العالم يعرف أن هناك زواجا منتظرا بين الجامعة العربية وإسرائيل، ولكن الصراع العربي لم يعد محصوراً في القضية الفلسطينية والإسرائيلية.
كما ان المشاكل ليست أيضا محصورة في ذلك النطاق الجغرافي والملف التاريخي، فقد أصبحت الجمهورية الإسلامية طرفا في المعادلة، ولا يمكن أن يقوم مشروع شرق أوسطي تستثنى منه إيران إلا في حالة رفضها وقبول الأطراف الأخرى بقيامه، فساعاتها ليس لدى الجمهورية الإسلامية حججها وأعذارها وتصريحاتها تجاه تدمير إسرائيل.
فقد أعلنت نفسها قوة مدافعة عن الإسلام والمسلمين، فحملت راية الدفاع عن القدس وفلسطين، وكأنها تعلن للعرب عجزهم عن إلغاء إسرائيل وحان الوقت لإيران لقيادة هذا الصراع، فحسب المرجعيات والخطب الدينية وتصريحات الرئيس الإيراني إن مصير الدولة العبرية في زوال!!.
فكيف بالإمكان إيجاد طرق ووسائل لحل خلافات عميقة مزمنة بين العرب وإسرائيل من جهة وبين دول المنطقة، التي بدأت تنتقل نحو مشاريع أكثر خطورة على السلام العالمي إذا ما تركت المشاريع النووية تزدهر في اتجاه القوة والتمترس العسكري.
ما يواجه المنطقة اليوم هو اتساع نطاق أزمات مستفحلة، وهي بحاجة إلى الجلوس على طاولة الحوار المشترك، تكون الجامعة العربية وإسرائيل وإيران وتركيا أهم الأطراف لهذا التجمع الإقليمي.
من ينطلقون من منظور العزلة السياسية والقطيعة المطلقة، فإنهم بذلك لا يوترون العلاقات الإقليمية والدولية وحسب، بل ويدفعون المنطقة وكل ملفاتها لاحتمال اندلاع نزاعات جديدة ومشاكل لا يمكن معرفة مداها إذا ما أهملت وعولجت بالطريقة المتشنجة.
لن يجد الأتراك ولا جميع الإسرائيليين حرجا من تلك الدعوة البحرينية، بقدر ما رحبوا بها كل الترحيب، خاصة وان إسرائيل تنظر لدول عربية على أنها أكثر اعتدالا إزاء ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وتعتمد على تركيا حليفها العسكري والسياسي في لعب دور أوسع وفعال في توازنات المنطقة وتناقضاتها، فتركيا تحظى بقبول من جميع الأطراف.
المقترح البحريني لم يكن نابعا من نزوة سياسية عابرة بقدر ما أوضح وزير خارجية البحرين عن انه لا يوجد سبيل آخر لحل المشاكل إلا بالجلوس معا، وليس هناك طريق آخر لحلها اليوم أو بعد 200 سنة.
إذ لا نرى أي نتيجة أو فائدة عملية من مواصلة الطلاق الأبدي، ولا أحد دعا للدخول في شهر عسل عاجل حتى وان رغب البعض بعدم الاعتراف، فهذا حق سياسي وسيادي لكل دولة.
كما لا يجوز التفسير أو التأويل عن إن الجلوس والحوار يعني اعترافا مباشرا بإسرائيل، بقدر ما يعني ذلك بحقيقة وجود المشاكل المتنامية والملفات المعقدة ولن تحل إلا بالحوار السياسي وببناء جسور الثقة، دون الحاجة للوهم بتفسير الجلوس على انه اعتراف وتنازل دون انتزاع حقوق شرعية.
إن الاعترافات المتبادلة والوصول إلى تسويات مرضية لكل الأطراف لا تولد فجأة وإنما عبر تفاوض ومخاض طويل من المفاوضات، ولكنها لن تحدث أبدا بدون وجود تلك المنظمة الإقليمية أو التجمع الإقليمي، الذي وحده يتيح فرصا حقيقية لبناء أرضية مشتركة، فمصير المنطقة وقدرها الجغرافي والتاريخي هو ذلك الموروث العرقي والديني القابل لبناء علاقات تاريخية وإنسانية جديدة.
لا توحي أطروحات البحرين ومقترحها عن فتح الباب بسرعة دون منح المختلفين حقوقهم ومنحهم فرصة الحوار لتسوية كل المشاكل العالقة، مشاكل تختزن براميل الانفجار ومن الضروري نزع فتيلها بسرعة (ولكنها بالمقابل تدعو الآخرين - والذين لا تستهويهم فكرة الجلوس مع إسرائيل - بقبول فكرة عدم إغلاق المنافذ لمرور الضوء.
في عالم سياسي مضطرب ومعقد بين دول متجاورة معنية بإبعاد المنطقة عن شبح حرب نووية في المستقبل. لم يقل وزير خارجية البحرين في حديثه سواء لجريدة الحياة اللندنية أو من فوق منصة الأمم المتحدة (تعالوا نقدم طبقا سهلا من العسل للأطراف المعنية في هذا التجمع كل حسب رغبته، وإنما كانت الدعوة منصبة على فكرة واقعية لا بد وان تقوم عاجلا أو آجلا.
ما يهم في هذا التجمع هو أن تكون للجامعة العربية رؤية موحدة وموقفا موحدا ككتلة اقتصادية وسياسية قوية تدخل القرن الواحد والعشرين بمنظور متطور يستجيب لحقائق العصر. لم يجد وزير خارجية البحرين هذه المرة صراخا رسميا عربيا كما هو السابق) فالدول التي كانت عادة ما تثير احتجاجها بقوة أصبحت اليوم أكثر اقترابا من الواقع السياسي، فهناك تحركات معلنة وغير معلنة على الجبهات جميعها.
وستجد إيران نفسها بين خيار القبول والرفض. في حالة قبول كل الأطراف الفكرة البحرينية المقترحة ورفضتها إيران، فإن الجامعة العربية وتركيا ليست معنية بالرؤية الإيرانية، التي بدلا من كسر عزلتها تواصل بناء سياجات مستعصية مع الدول المجاورة. وبذلك تصبح المشاكل القائمة أكثر حدة وتوترا وخطورة.
ولا يمكن للأنظمة العربية ترك القدر الفلسطيني فقط لمجموعات أطلقت على نفسها «قوى مقاومة التطبيع» حيث وضعت أمامها جدارا عازلا لا يمكنها تجاوزه (في وقت يحاول أصحاب المشكلة الحقيقيين البحث عن تطبيع واعتراف نهائي لا يمكنهم الفرار منه مستقبلا. للديمقراطية مساحات اختلاف في الرأي فإن المناهضين للتطبيع من حقهم إعلان إدانتهم واحتجاجهم السلمي) مثلما يحق لدعاة التطبيع التعبير عن حقهم وتأييدهم لكل فكرة ايجابية تختصر الألم التاريخي للمنطقة وتبعده عن كل أشكال النزاع والتوتر.
كاتب بحريني