لا يكاد العالم يلتقط أنفاسه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، متنقلا على وقع أزمات خطيرة، لكنه منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 يكاد يحبس أنفاسه رعبا من المخاطر التي يلد بعضها بعضا، وأشباح المواجهات العسكرية التي انبعثت كما تنبعث العنقاء من الرماد.
وضمن كوابيس هذه الحقبة المضطربة يمكن اعتبار الأزمة المالية التي ترتبت على مشكلة الرهون العقارية جرس الإنذار الأهم لما ينتظر العالم إذا لم تتوفر الإرادة للجم حصان الرأسمالية الجامح.
صحيح أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان شهادة جدارة للاقتصاد الحر، حتى أن معظم الدول التي كانت سابقا تتبنى الاشتراكية - وضمن ذلك روسيا نفسها - تحولت للاقتصاد الحر، وصحيح أيضا أنه في ظل السيطرة الأميركية شبه المنفردة على مجريات السياسة الدولية وعلى القرار في العديد من المؤسسات المالية الدولية خلال هذه الفترة يكاد الاقتصاد الحر يتحول إلى شرط من شروط الجدارة بعضوية المجتمع الدولي.
وبغض النظر عن التحليلات التي جزم أصحابها بأن هذه الأزمة المالية هي نهاية الدور الاقتصادي الرائد أميركا على الساحة الدولية، لأنها قفزة كبيرة في الفراغ، وبعيدا عن التفسيرات التي رأت الأزمة نهاية للاقتصاد الحر كإطار للتنظيم الاقتصادي، حيث أثبتت التجارب المتعاقبة أنه - حتى الآن - شكل التنظيم الاقتصادي الأكثر كفاءة، ربما لأنها تتسم بدرجة من المرونة تمكنها من تصحيح أخطائها إلى حد كبير.
بعيدا عن هذا وذاك فإن الرأسمالية تظل رغم كفاءتها الشديدة مهددة من داخلها بنوعين من الخطر يمكن بالفعل أن يسير بها إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه الاشتراكية. الخطر الأول أخلاقي مصدره درجة عالية جدا من تغليب المنفعة على القيمة - أي قيمة - وهو بعد «معنوي» لكن تأثيره في الممارسة كبير لدرجة لا يمكن تخيلها.
ومكمن الخطر هنا أن التعامل مع الحرية الاقتصادية باعتبار أنها «مقدسة» يحولها إلى وثن، وينطوي على نوع من التأليه لفكرة «السوق» التي توجد داخلها الآليات الذاتية التي تجعلها تصحح أخطاءها بشكل آلي، وهي فكرة تعد صدى للتصور الفلسفي للكون في طيف واسع من المذاهب الغربية التي تعتقد أن الله خلق الكون وأودع فيه القوانين التي تنظم حركته ودفعه الدفعة الأولى ثم تركه دون تدخل أو رعاية.
وبطبيعة الحال لم يكن وجود الإله في هذا التصور إلا كنقطة مرجعية صامتة، فصورة الإله في هذا التصور هي - مع الفارق - أقرب إلى صورة الملك في الملكيات الدستورية «يملك ولا يحكم».
وخطأ هذا التصور لا يقتصر على بناء هذه الصورة للإله بل يمتد ليشمل التعامل مع الإنسان بوصفه جزءا لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة تسري عليه القوانين نفسها التي تسري على المعادن والحشرات والجراثيم، وبالتالي فإن القوانين وحدها كفيلة بتصحيح المسيرة.
لكن الحقيقة التي كشف عنها القرآن الكريم في حديثه عن النفس البشرية هي الأقدر على فهم هذه النفس التي فطرها الله على تجاور نوازع الخير والشر، قال تعالى: «ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها». وهذا البعد الأخلاقي هو ما يعبر عنه المثل البريطاني العبقري: «القانون العادل في يد القاضي الظالم ظالم..
والقانون الظالم في يد القاضي العادل عادل»، فهناك مساحة يمكنك أن تسميها مساحة الأمانة أو التفويض أو الاختيار لا يستطيع أي نظام اقتصادي في العالم أن ينجح ما لم يأخذه في حسبانه، ومن هنا كانت وجاهة الاعتراضات التي وجهت لخطة بولسون لأنها - قبل التعديل - كانت تعني مكافأة مديري الشركات الذين تسببوا في الكارثة.
وقد أصبح الفقر الأخلاقي متفشيا في نخب الدول ذات الاقتصاد الحر بدرجة تجعل مستقبل الاقتصاد الحر نفسه في خطر، ولنقرأ الإحصاء التالي (يرجع إلى عام 1998) عن مؤسسة أميركية ينتمي إليها 435 عضوا: 29 اتهموا بالاعتداء على زوجاتهم ، 7 اعتقلوا بتهمة النصب والاحتيال. 19
اتهموا بتحرير شيكات بدون رصيد ، 117 اتهم كل واحد منهم بالمسئولية عن إفلاس شركتين على الأقل ، 3 اعتقلوا بتهمة الاعتداء على أشخاص آخرين ، 71 لا يستطيعون الحصول على بطاقات ائتمانية (كريدت كارد) بسبب سوء سجلهم المالي ، 8 اعتقلوا في محلات تجارية بتهمة السرقة ، 21 يدافعون عن أنفسهم في قضايا متنوعة مرفوعة عليهم. أما المؤسسة فهي الكونجرس الأميركي الذي يضم 435 عضوا!
المشكلة الثانية التي تهدد مستقبل الاقتصاد الحر هي في الحقيقة مشكلة غريبة وخطيرة لا نكاد نجد أية إشارة لها في الأدبيات العربية الناقدة للاقتصاد الحر رغم كثرتها، ونقصد بها «مشكلة الغموض»، فقد تسارعت التطورات في الاقتصاد وعلم الإدارة بوتيرة غير مسبوقة في التاريخ حتى تحول عالم الأرقام والمؤشرات من الوضوح إلى الغموض، وما يتضح أمامنا الآن أن جميع السندات المالية المعقدة.
إضافة إلى التدفقات الاستثمارية الدولية المستمرة، خلقت نظاماً مالياً عالمياً «سري للغاية لدرجة جعلت عددا قليلا من الأفراد قادرين على تفهم كيفية عمله»، تبعاً لما أكده ديفيد سميك في كتابه «العالم آخذ في التقوس: الأخطار الخفية أمام الاقتصاد العالمي».
إن الاختلاف بين الوضع الراهن وما كان عليه الحال منذ عامين أن المديرين الماليين آنذاك كان لديهم اعتقاد بأنهم متفهمون لطبيعة النظام، أما الآن فهم يعلمون أنهم لا يعلمون. ومن المعروف أن الجهل يتولد عنه الخوف والعزوف عن خوض المخاطر.
وهذا الغموض إذا أضيف إلى غياب المعايير الأخلاقية وانطلاق الحصان جامحا دون قيود من أي نوع فإنهما يهددان مستقبل الاقتصاد الحر ومستقبل الريادة الاقتصادية الأميركية على نحو جدي.
كاتب مصري
