من جديد تطل قاعدة الازدواجية في المعايير، عند التعاطي مع الملف النووي في المنطقة، هذه المرة من البوابة السورية. تتسلّط الأضواء على دمشق، وكأن في الأمر مشروعا نوويا عسكريا على وشك الاكتمال.
تواكب ذلك عملية تهويل وتخويف من خطر سوري يهدّد الأمن والسلام في الشرق الأوسط. التركيز يتجه نحو دمشق باعتبارها مصدر الخطر الفعلي؛ وليس السلاح النووي بذاته. والسبب قديم ومعروف: حجب إسرائيل ومشروعها النووي، الذي أنتج ترسانة تزيد على مئتي قنبلة؛ وفق التقديرات المتداولة.
قفز هذا الموضوع إلى دائرة الضوء قبل حوالي سنة؛ في أعقاب عدوان جوّي إسرائيلي على موقع في شمال سوريا. يومذاك لاذت تل أبيب بالصمت، وكذا فعلت واشنطن. بعد أيام بدأت تتسرّب التلميحات، بأن الضربة استهدفت موقعاً لمفاعل ذرّي سوري، يتم العمل فيه بمساعدة كورية شمالية. ثم زعموا أن لإيران علاقة بالمشروع.
الزجّ بهذه الجهات والأسماء، جرى توظيفه لتسويق الاعتداء وتبريره في الربيع الماضي، دخلت وكالة الطاقة الذرية على الخط. فتحت التحقيق في اتهامات جاءت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية؛ مفادها أن سوريا كانت قريبة من نهاية بناء مفاعل سرّي لإنتاج البلوتونيوم، قبل تدميره بالغارة التي قامت بها إسرائيل، علماً بأن البلوتونيوم تلزمه مفاعلات متطورة لاستخراجه من اليورانيوم 238.
بعد الكشف تبيّن للوكالة أنه لا أثر لنشاط نووي سابق في الموقع السوري. لكن الوكالة عادت وطلبت من سوريا المزيد من التعاون والسماح لها بزيارة عدد من المنشآت العسكرية السورية. رفضت دمشق، من باب أن مثل هذه الزيارة فيه تقويض لسيادتها وأمنها الوطني.
خلال الاجتماع السنوي، قبل أيام، لهيئة الوكالة، جرى اتهامها بأنها تمنع المفتشين من العمل بحرية فوق أراضيها، للتثبت من المزاعم النووية ضدّها. نفت سوريا تهمة المفاعل، كما تهمة عدم التعاون. مشهد يستحضر السيناريو العراقي المعروف.
لا خلاف حول خطر السلاح النووي وضرورة الحدّ من انتشاره، فوق سطح المعمورة. كما لا جدال في حق بل واجب وكالة الطاقة، لجهة القيام بدورها في هذا الخصوص؛ وفي وجوب تسهيل مهمتها هذه. الذي يعرقل هذا الدور، بل الذي يعتدي عليه؛ هو الذي لا يعترف بالوكالة أصلاً، وليس الذي فتح أبوابه للتفتيش. إسرائيل رفضت، وبحماية أميركية، الانتساب إلى الوكالة، حتى لا تضع ترسانتها النووية تحت الضوء. امتياز تريد احتكاره عنوة، ورغم أنف المجتمع الدولي.
التحدّي هنا، هو في الكفّ عن الكيل بمكيالين، ومطالبة إسرائيل بالانصياع لموجبات تنظيف الشرق الأوسط من أسلحة الدمار؛ قبل مطالبة سوريا بقبول توسيع دائرة التفتيش في أراضيها.
