ستبقي حرب أكتوبر‏1973‏ نموذجا مثاليا للعمل الجاد والتخطيط المحكم والإرادة الصلبة والثأر للكرامة وكل العوامل الأخري التي تضمن تحقيق النجاح ليس فقط في المجال العسكري وإنما أيضا في كل مجالات العمل الإنساني اللازم للرقي والتقدم والإسهام الفاعل في قيام الحضارة الإنسانية ليظل الشعب المصري في الصفوف الأولي للشعوب الصانعة للحضارة‏.‏

وبرغم مرور ثلاثة عقود ونصف العقد علي هذه الحرب المجيدة التي ردت الاعتبار للجندي المصري والعربي فإن أسرارا جديدة مازالت تتكشف لتؤكد شجاعة المقاتل المصري وحرصه وتلهفه علي تحرير تراب وطنه دون أن يهاب غطرسة القوة العسكرية الإسرائيلية المدعومة بأحدث العتاد في الترسانة الحربية الأمريكية بحيث انه عندما أتيحت له الفرصة للتدريب الجيد والتخطيط المتقن وأخذ زمام المبادرة بيده انطلق كالأسد الهصور ينقض علي الفريسة الإسرائيلية داخل عرينها المحصن بكل أدوات المراقبة والاستشعار والأسلحة المتطورة والألغام عابرا سدا منيعا كان يحسبه العدو رادعا أكيدا بما فيه من مواسير النابالم الحارق سيردع أي محاولة مصرية لعبور قناة السويس‏.‏

لم تكن الشجاعة فقط وراء الانتصار العظيم وإنما كان التخطيط المحكم والتدريب المتقن بعيدا عن عيون العدو ومناورات الخداع التي من كثرتها لم يأخذ القادة الإسرائيليون التحركات العسكرية التي سبقت العبور العظيم مأخذ الجد‏,‏ فوقعت المفاجأة التي لم يتوقعوها‏.

‏ وكانت السيمفونية الجميلة تعزفها بإتقان كل أسلحة القوات المسلحة بدءا بالطيران الذي دك حصون العدو في ضربة جماعية رائعة شاركت فيها‏200‏ طائرة مرورا بالمدفعية التي انطلقت قذائفها لتحيل المواقع الإسرائيلية الحصينة إلي جحيم وأخيرا الجيوش الميدانية التي عبرت المانع المائي الكبير‏(‏ قناة السويس‏)‏ في وقت قياسي بعد أن أبطل الجنود البواسل عمل مواسير النابالم‏,‏ واستولت علي دشم واستحكامات ومواقع العدو علي الضفة الشرقية للقناة وسط دهشة العسكريين وحيرة السياسيين الإسرائيليين‏.‏ ولاننسي هنا العمل البطولي الذي قام به أفراد الصاعقة ووحدات الاستطلاع التي وصلت تحت جنح الظلام حتي الحدود مع اسرائيل لتأمين نجاح الضربة العسكرية دون أن يرصدهم أحد‏.‏

ليس هذا كلاما مصريا مشبعا بالمبالغة أو الحماس وإنما قال خبراء أجانب كثيرون أكثر منه في حق قواتنا المسلحة بمن فيهم اسرائيليون‏.‏ فهذا هو المؤرخ العسكري البريطاني إدجار أو بلانس يقول إن حرب أكتوبر دفعت اسرائيل بقوة من وضع الهجوم إلي موقف الدفاع لأول مرة منذ نشأتها بعد أن كانت تنظر بعين الاستعلاء إلي طرق الدفاع التقليدية‏,‏ وهذا هو المؤرخ العسكري الأمريكي تريفور ديبوي يقول ان كفاءة مصر في التخطيط والتنفيذ لعملية العبور لم تكن ممكنة لأي جيش آخر في العالم بشكل أفضل مما فعله الجيش المصري عندما نجح في عبور قناة السويس علي جبهة عريضة وفي تحقيق المفاجأة‏.‏

أما الجنرال فارار هوكلي مدير تطوير العمليات العسكرية في الجيش البريطاني فقال إن الإنجاز الهائل الذي حققه المصريون هو عبقرية ومهارة القادة والضباط الذين حققوا مفاجأة الهجوم تحت بصر العدو والروح المعنوية العالية والجرأة التي تحلي بها الجنود المصريون‏.‏

وأخيرا قال الجنرال الاسرائيلي يشيعيا جافيتش إن انتصار العرب في الحرب كان أكثر حسما وإنهم أنجزوا قسما كبيرا من أهدافهم‏,‏ بينما لم تتمكن إسرائيل من كسر الجيوش العربية أو استعادة قوة الردع لجيشها‏.‏

وليت هذا النجاح يمتد إلي كل مناحي حياتنا‏.‏