استوقفنا أمس خبر نشرته إحدى الصحف المحلية عن عمال في إحدى المنشآت، قاموا ببناء غرفة نوم من علب الكرتونات الخاصة بتغليف الهواتف الخلوية بعد أن جمعوا الآلاف من هذه العلب.
وقد زود العمال الغرفة التي أنشئت في مكان مرتفع لمستودعات بمكيف هواء وتمديدات كهربائية، ووضعوا جهاز تلفاز وجهاز استقبال قنوات خاصة بالأقمار الصناعية. ولم تقتصر «إبداعات العمال» على ذلك فقد حولوا أيضاً علب الكرتون إلى خزائن لملابسهم وتم وضع ثلاث فرشات على أرضية المكان.
ومن يقرأ الخبر يتأكد لديه ان الحاجة كانت أم الاختراع لدى هؤلاء العمال الذين لا نقف فقط مصفقين لهم على ما قاموا به وما يمكن ان يسهم به من مشاكل عديدة، خاصة وان هذا النوع من المساكن خال تمام من شروط الأمن والسلامة، لكننا في الوقت نفسه نعتبر ما أقدموا عليه تصويرا حقيقيا لأزمة السكن في الدولة.
فأزمة السكن لدينا لا تكمن في عدم توفر المساكن لجميع الفئات فحسب، عالية أو متوسطة أو منخفضة الدخل بل تكمن أيضاً في ارتفاع أسعار الإيجارات والعقارات التي أصبح كثيرون يعانون منها، الأمر الذي دفع بالكثيرين للبحث عن وسائل يمكنهم من خلالها توفير مساكن ملائمة لهم اجتماعيا وماديا.
وان لم تتوافر فيها شروط الأمن والسلامة كما هو الحال مع المساكن الكرتونية التي بناها العمال الذين يبدو انهم عجزوا عن تحمل تكاليف السكن. فإذا كان هؤلاء العمال قد اجتهدوا في مسألة اختراع مساكن تضمهم ليتجنبوا دفع أجرة عالية وأخطأوا في اجتهادهم، فما هو الحل الذي سيلجأ إليه رب الأسرة فيما لو عجز عن دفع قيمة إيجار السكن الذي يقيم فيه؟ وأين سيجد مسكنا يتناسب مع مستوى دخله دون أن يخضع لهذه الإيجارات المرتفعة؟
في السابق كانت الإمارات لاسيما في بعض مدنها تعمد إلى إنشاء مبان خاصة بمحدودي الدخل، وكانت هذه المباني هي الغالبة على العقارات، لكن واقع الإمارات اليوم يؤكد أن هذه المباني آخذة بالانحسار كما هو الحال مع الطبقة المتوسطة التي انحسرت وساهمت في زيادة الفجوة بين الطبقة الغنية والفقيرة في الدولة، وهو الأمر الذي لا يعد صحيا في أي مجتمع وليس في الإمارات وحدها.
نحن لا ندعو إلى تضييق الخناق على الملاك بإجبارهم على أسعار محددة للإيجار لأننا نتفهم طبيعة الاقتصاد في البلد وكيف يفتح الشهية للاستفادة من فرص ذهبية يطرحها، لكننا في الوقت نفسه نطالب بالتنويع في المنشآت والمباني لتتناسب أنواعها وأسعارها مع جميع طبقات المجتمع دون حصرها في فئة وحرمان فئات أخرى منها. فالمواطنون والمقيمون في الدولة لا يستطيع جميعهم الاستئجار في مساكن عالية الإيجار، فلماذا نضيق عليهم؟
غلاء الإيجارات والعقارات بشكل مستمر يتسبب في آثار اقتصادية واجتماعية سلبية يدفع أفراد المجتمع ثمنها. ويفترض ان تكون مشكلة ارتفاع الأسعار في الإيجارات والعقارات متوقعة مسبقا وقد هيأت لها الحلول لمواجهتها دون ترك الناس في رحلة بحث عن سبل يمكن من خلالها اختراع مساكن خاصة بهم، وان كان ذلك على حساب أمنهم وسلامتهم.
فإذا كانت الحاجة قد دفعت عمالا لاختراع مساكن خاصة بهم فلنبدع في وضع خيارات تؤمن للمواطن والمقيم على السواء مساكن تتناسب مع مستويات دخل الجميع دون إخضاعهم إلى ضغوط لم يعد أي من الأفراد قادراً على احتمالها وسط الوضع العام الذي لا صفة له سوى «الاشتعال»!!
