الدعوة التي صدرت عن الأوروبيين الأربعة الكبار، لعقد قمة دولية خاصة بالأزمة المالية الراهنة؛ تأخذ أهميتها من جوهرية موضوعها: إعادة النظر في قواعد الرأسمالية ونظامها المالي. فهي تصوّب نحو لبّ المشكلة العاتية وتضع الإصبع على الجرح. يزيدها أهمية، أنها أخذت طابع العجلة. قمة، يرى الرباعي الفرنسي ـ البريطاني ـ الألماني ـ الإيطالي؛ وجوب عقدها «في أسرع وقت».

استعجال يشي بمدى خطورة السقوط الذي وقعت فيه وول ستريت، وارتداداته على طول الساحة الدولية وعرضها. فهذه الهزّة العنيفة والخطيرة، تركت تداعيات مفتوحة على انهيارات وكوارث. والمعالجات التي حصلت، تعاملت فقط مع آثارها المباشرة، بهدف لجم التدهور ووقف نزيفه الآني.

لكنها لا تضمن عدم تكرار الانفجار، مرة أخرى. لاسيما أن السوق المالية الأميركية، شهدت انكسارات موجعة، في السابق. ولو من العيار الصغير؛ مقارنة بالانفجار الأخير؛ الذي لا يقوى العالم ومعه أميركا نفسها، على احتمال حدوثه؛ مرة أخرى. لذلك من الضروري بمكان، التحرك لقطع منابت الورم؛ مرة واحدة. أو على الأقل لمنع نموّه واستفحاله إلى هذه الدرجة.

النظام المالي المعمول به، أبصر النور بعد الحرب العالمية الأولى. بعد سنوات قليلة وقع الانهيار المالي - الاقتصادي الكبير، في الولايات المتحدة، وأخذ عدة سنوات للتصحيح. ثم في أعقاب الحرب الثانية، حصل المزيد من التطوير والتحديث ومن قيام المؤسسات المالية، المحلية والدولية. احتلت واشنطن في الترتيب الجديد، الموقع الممتاز.

من خلاله، كما من خلال قدراتها الاقتصادية وقوة الدولار؛ أمسكت، إلى حدّ التحكّم، بمجمل خيوط المشهد المالي الدولي. ترسّخ هذا الوضع، زمن الحرب الباردة. مع مطلع الثمانينات بدأت عوارض الانتفاخ تظهر على هذا الاستئثار. شركات بدأت تنوء تحت أعباء مالية ضخمة. مثل شركة كرايسلر للسيارات. معها بدأ تدخل الدولة للإنقاذ. ثم أخذت الظاهرة تتكرر. كانت ذروتها في انهيار قطاع « التوفير والتسليف المصرفي».

ومع شيوع مدرسة ريغان، التي تركت الحبل على غاربه لحركة المال ومراكمة الثروات، أخذت براغي صمامات الأمان تتراخى. شيئاً فشيئاً، راحت قواعد الضبط والمراقبة تتلاشى؛ ومع مجيء إدارة بوش الابن، طال حبل الانفلات، وكرّت سبحة الانكسارات؛ من الشركة العملاقة آنرون إلى الفقاّعة العقارية - المصرفية، الحالية.

الانفجار الذي ما زال العالم يعيش تداعياته، تسبب بخسائر فادحة، اللاحق منها أعظم من الآني، ضخامته وخطورته المدمرة، فرضتا تدخل الدولة للإنقاذ. كان ذلك على حساب قاعدة أن السوق يصحح نفسه بنفسه. قاعدة لا بدّ من استرجاع جدارتها لها، باعتبارها نبض نظام اقتصاد السوق. لكن ذلك لا يتحقق بالحلول الفورية التعويمية. وحده التغيير البنيوي في القواعد الكابحة، يحققه. ومن هنا أهمية الدعوة الأوروبية وضرورة توفير فرص نجاحها.