تجري مباحثات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية والقيادة المصرية، في ظروف جد خطيرة، لا سيما بعد أن وصل خط المفاوضة والتسوية إلى طريق مسدود، بنتيجة تعنّت إسرائيل وانتهاجها سياسة فرض الأمر الواقع، عبر الاستيطان وبناء الجدار الفاصل وعزل القدس، وبعد انهيار خط الانتفاضة والمقاومة المسلحة، بنتيجة استفراد إسرائيل بالشعب الفلسطيني، وتشديد الحصار عليه، وبسبب انكفاء الوضع العربي على همومه وأحواله، وانقسام الفلسطينيين فيما بينهم.
في ظل هذه الأوضاع الدقيقة والخطيرة، لا يبدو أن ثمة بديلا أمام الفلسطينيين من التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية، توحد إمكانياتهم وتعزز صمودهم وتنظم طاقاتهم وترشّد نضالهم، وفق ما تمليه المصلحة الوطنية، وعلى أساس التمييز بين الشعارات والطموحات والمصالح الفصائلية، وبين الحسابات السياسية القائمة على المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة وموازين القوى السائدة وتفاعلات الصراع بينهم وبين الإسرائيليين والتحديات الناشئة عنه.
بناء على ما تقدم فإن الفلسطينيين معنيون، في هذه المرحلة، بالاتفاق على ثلاثة قضايا: أولها توضيح خطابهم السياسي، وثانيها، تعيين إستراتيجيتهم النضالية، وثالثها، تحديد شكل علاقاتهم الداخلية.
في الجانب الأول، وبغض النظر عن مشروعية الطموحات الوطنية وعدالة القضية، فإن المرحلة السياسية الراهنة بمعطياتها الدولية والإقليمية والفلسطينية أيضا، تفرض على الفصائل التوافق (أقلّه) على استراتيجية سياسية قوامها دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، على اعتبار ذلك نتاجا لنضال الفلسطينيين وإسهاما في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وكسرا له في ركيزتين أساسيتين: «أرض الميعاد» ونفي وجود الشعب الفلسطيني (فكرة أرض بلا شعب).
لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار، على ضوء التجربة التفاوضية، وعلى ضوء ما تطرحه إسرائيل من تصورات حول التسوية، ضرورة عدم حصر الاستراتيجية الفلسطينية بخيار واحد وحيد، أي خيار الدولتين، لأن هذا الهدف لا يقدم شيئاً ملموساً على صعيد حل قضية اللاجئين، ولا يسهم بتوليد رؤية سياسية تساهم في تعزيز وحدة الشعب، وطرح تصورات لمستقبله السياسي ومستقبل المنطقة.
ومعنى ذلك أنه ينبغي الأخذ بالاعتبار الخيارات الأخرى، ما يفضي لتوسيع هدف الدولة المستقلة، وفتح آفاق جديدة لنضال مستقبلي يسهم باستعادة الحقوق الفلسطينية، حل وطني ديمقراطي علماني للقضية الفلسطينية؛ على شاكلة حل الدولة الواحدة (ثنائية القومية او دولة المواطنين).ولعل مثل هكذا استراتيجية تجيب على مختلف الأسئلة التي تطرحها هذا القضية وتحد من الخلافات السياسية.
في الجانب الثاني المتعلق بوسائل النضال فإنه من الخطورة بمكان تقديس شكل نضالي بعينه كما ثمة خطورة من إظهار الفلسطينيين، العّزل من السلاح، وكأنهم قوة عسكرية، بدلا من إظهارهم على حقيقتهم بوصفهم شعب يخوض معركة التحرر الوطني وكضحايا لاستعمار إسرائيل وإرهابها وعنصريتها.
ومع تأكيد مشروعية النضال بكافة الأشكال، وضمنها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فإن الفلسطينيين معنيون بدراسة جدوى أشكال النضال التي يخوضونها والتي تمكنهم من الاقتراب من أهدافهم وتحقق التكامل مع إستراتيجيتهم السياسية. هكذا، فثمة أهمية لتركيز المقاومة المسلحة ضد الوجود الإسرائيلي الاستيطاني والعسكري في الأراضي المحتلة عام 1967؛ لإظهار الأمر باعتباره صراعاً ضد الاحتلال ومظاهره وأهمها الاستيطان.
فالفلسطينيون في الأرض المحتلة (1967) لا يستطيعون وحدهم، حمل عبء تحرير فلسطين؛ وإذا كان هؤلاء يملكون، وحدهم، إمكانية زعزعة استقرار إسرائيل، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، فإن هزيمتها (حتى على مستوى الاحتلال) يحتاج إلى معطيات وضغوطات دولية وعربية غير متوفرة الآن.
ويستنتج من ذلك أن القيادات الفلسطينية (سلطة أو معارضة) ينبغي أن تحرص على تفويت والاستهدافات الإسرائيلية، وترشيد كفاح الشعب وقيادته نحو هدفه بأصوب وأفضل ما يمكن، ما يفترض قيادة الشارع لا الانقياد لغرائزه وعواطفه، وهذا هو جوهر العمل القيادي والسياسي الذي يرتبط بموازين القوى والتفاعلات السياسية.
وهذا يفترض، أيضا، عدم التفريط بطاقات الشعب الفلسطيني بالزج بها مرة واحدة في معركة حاسمة، غير متكافئة وغير محسوبة سياسيا (كما حصل في أعوام 2002 ـ 2004)، لأن إطالة أمد الصراع وتنويع أشكاله ربما يمكّن الفلسطينيين من كسب الجولات بالنقاط، في ظروف أكثر مواتاة لهم.
وأساسا فإنه ينبغي الانتهاء من الثقافة السياسية السائدة التي تحصر الصراع مع إسرائيل بالوسائل العسكرية، فقط، فهذا الصراع ينبغي خوضه، حتى في حالة التسوية، بكل الإشكال: السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية، وبتحسين نوعية حياة المواطنين وتطوير النظم والعلاقات السياسية والمشاركة.
أما بالنسبة لقضايا الإصلاح، فثمة مشكلات كبيرة نابعة من طريقة إدارة القيادة الفلسطينية (قيادة م.ت.ف. والسلطة) للوضع ومن طريقة عمل المنظمات، الأبوية والسلطوية.
وهي بحاجة إلى مراجعة للتخلص من العقلية الفردية والمزاجية، والتوجه نحو صياغة جديدة للبني والمؤسسات والعلاقات الفلسطينية، بحيث تحترم النظم والقوانين والأطر الشرعية وتكرس العلاقات الديمقراطية، والتعددية، والقيادة الجماعية، والمؤسسية، على مستوى المنظمة والسلطة والمنظمات.
المشكلة أن الجميع يتحدث عن الإصلاح من دون أن يصلح أحد منظمته أو مؤسسته والكل يطالب بالديمقراطية والجماعية في حين أن الجميع يمارس عكس ذلك في إطاراته، ولاشك بأن المسؤول الأول والرئيس عن حال الفوضى والتكلس في العمل الفلسطيني هي حركة فتح، من مكانتها القيادية التاريخية، ولكن الفصائل الأخرى بقياداتها ليست معفاة من هذه المسؤولية كل بقدر حجمه.
من ناحية ثانية فإن الحديث عن الوحدة الوطنية بحاجة لمراجعة، لتعريف الفصائل، على ضوء التجربة والممارسة، ولتعيين الفصائل الحية والفاعلة.
كاتب فلسطيني
