العلاقات بين ألمانيا وروسيا كانت ومازالت ذات خصوصية كبيرة وهامة حتى في زمن الاتحاد السوفييتي مع ألمانيا الغربية، حيث كانت كبرى الشركات الألمانية الغربية مثل «سيمنس» تعمل داخل الاتحاد السوفييتي وتستثمر أموالها هناك بمنتهى الثقة والأمان والاستقرار، ولم تؤثر الخلافات السياسية والأيديولوجية آنذاك بين البلدين، وهناك روابط ثقافية وتاريخية كثيرة تربط البلدين منذ أكثر من قرن مضى.
المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر لعب دورا كبيرا في دفع العلاقات الألمانية الروسية للأمام في طريق الروابط الاقتصادية القوية التي يصعب اختراقها تحت أية ظروف، وخاصة في مجال الطاقة، حيث وقعت ألمانيا مع روسيا اتفاق خط الغاز الشمالي عبر بحر البلطيق، هذا الخط الذي سيوفر لألمانيا وحدها أكثر من ثلث استهلاكها من الغاز.
كما أنه سيمد دولاً أوروبية أخرى بالغاز، هذا المشروع الذي اعتبرته واشنطن أكبر اختراق روسي لأوروبا، وحاول الأميركيون عرقلة المشروع بحجج أنه يهدد بفرض النفوذ الروسي على أوروبا، إلا أن الألمان الذين يثقون في الروس وفي التعامل معهم لم يعيروا أي اهتمام للتخويفات والتحذيرات الأميركية.
وعندما جاءت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للحكم بعد شرودر تمسكت أكثر بالعمل مع روسيا، بل وقفت ميركل أكثر من مرة في اجتماعات الاتحاد الأوروبي معترضة ومنتقدة للدول الأوروبية الصغيرة مثل بولندا ولاتفيا اللتين اعترضتا على تعاون الاتحاد الأوروبي مع روسيا وتوقيع اتفاق مشاركة وتعاون جديد معها، وهددت ميركل بأن ألمانيا سوف تسعى منفردة للتعاون مع روسيا إذا استخدم أي من أعضاء الاتحاد الأوروبي الفيتو اعتراضا على هذا التعاون.
وفي زيارتها الأخيرة لموسكو منذ يومين أثبتت المستشارة الألمانية ميركل من جديد أن العلاقات بين روسيا وألمانيا أكبر بكثير من أن تؤثر فيها أية عوامل خارجية أو أزمات سياسية عابرة، علما بأن ميركل رفضت منذ عشرة أيام الذهاب إلى نيويورك للمشاركة في الدورة 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة معترضة على تعامل الحكومة الأميركية مع الأزمة المالية، وبدا هذا في رأي البعض وكأن ألمانيا تدير ظهرها لواشنطن متجهة نحو موسكو، ولما لا؟
ورفيقتها الأوروبية فرنسا المنافسة لها على زعامة أوروبا هي أيضا بدت في الجمعية العامة على لسان رئيسها ساركوزي وكأنها تدير ظهرها للصديق الأميركي تماما، عندما وقف ساركوزي في افتتاح دورة الجمعية العامة يعترض على كلمة صديقه الأميركي بوش الذي وجه الانتقادات لروسيا على هجومها على جورجيا متوعدا بالرد، فأعلن ساركوزي أن فرنسا وأوروبا ترفضان تماما العودة للحرب الباردة وترفضان القطيعة مع روسيا.
وها هي المستشارة ألألمانية ميركل تلحق بنهج رفيقها الفرنسي وتتوجه لموسكو لتعلن للجميع هناك أن ألمانيا ستعترض خلال اجتماع رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ديسمبر المقبل على ضم أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف حين قالت للصحافيين بعد جلسة محادثات مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في 2 أكتوبر بمدينة بطرسبورغ الروسية إن ألمانيا لا تزال ترى أنه لم يحن للناتو بعد أن يقبل ترشح هاتين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين لعضوية الحلف، موضحة أن ما يمنع قبول ترشح أوكرانيا وجورجيا هو أن كثيرين من الأوكرانيين لا يؤيدون انضمام بلادهم إلى الناتو في حين تواجه جورجيا مشكلة الحدود وقد تفاقمت هذه المشكلة بعد مواجهات مسلحة في أوسيتيا الجنوبية.
ومن الواضح أن ميركل غيرت موقفها بالمقارنة مع ما قالته خلال اللقاء مع ميدفيديف قبل شهرين عندما شددت على ضرورة أن تصبح جورجيا عضوا في الناتو. أما الآن فإنها اكتفت بالإشارة إلى أن «وحدة أراضي جورجيا لا تقبل المناقشة».
ولكن هذا أمر غير هام باعتبار أن مفهوم وحدة الأراضي الجورجية لا يعني بالضرورة عودة أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لجورجيا، بدليل أن ألمانيا لم تبد حتى الآن أي اعتراض على إعلان استقلال هاتين الجمهوريتين عن جورجيا، بمعنى أن ألمانيا ترى وحدة أراضي جورجيا بمعزل عن أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
ما يحدث على الساحة الأوروبية وخاصة من الدول الكبرى يؤكد ما قاله البعض من أن أوروبا تنسلخ تدريجيا من عباءة الأطلسي متوجهة نحو الشرق إلى روسيا التي أصبح الأمن الأوروبي الاقتصادي مرتبطا بها ارتباطا كبيرا.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني