الكارثة المالية العظمى التي ألمت بالولايات المتحدة خطيرة بما يكفي في حد ذاتها لكنها على خطورتها الجسيمة ليست سوى مقدمة تؤشر لدخول أميركا مرحلة طويلة من الوهن الاقتصادي سوف تنعكس حتماً على النفوذ الأميركي في العالم. خطة الرئيس بوش التي تتكلف 700 مليار دولار لإنقاذ كبرى البنوك (ومؤسسات مالية أخرى خاصة) من الانهيار الكامل الشامل ليست في أفضل الأحوال سوى إجراء إسعافي مؤقت.

ذلك أنه لبضع سنين قادمة لن تستطيع البنوك ممارسة عملياتها الإقراضية الاستثمارية على نطاق واسع على نحو ما كانت عليه حالها قبل حلول الكارثة. وهذا يعني انكماش القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها القطاع الصناعي مما سيعني بدوره تصاعد معدل البطالة بعد أن تشرع المصانع في الاستغناء عن أيدٍ عاملة بالجملة.

ويعني أيضاً صعود معدلات التضخم بإيقاع متسارع. من ناحية أخرى فإن لجوء الإدارة الأميركية إلى عمليات الضخ المالي المتصل للبنوك وكبرى الشركات الخاصة ـ سواء خلال ما تبقى من الشهور الثلاثة الأخيرة لعهد إدارة الرئيس بوش أو في عهد الرئيس المقبل ـ سوف يؤدي قطعاً إلى ازدياد العجز الأسطوري القائم في الميزانية العامة الاتحادية أضعافاً مضاعفة. من هنا سوف تبدأ الانعكاسات السالبة على النفوذ السياسي الدولي للولايات المتحدة.

فسوف يكون المشكوك فيه أن تواصل الإدارة الأميركية الإنفاق الضخم على عمليات القوات الأميركية في العراق بمعدل مليار دولار يومياً كما هو عليه الحال اليوم، وما ينطبق على العراق ينسحب على الحرب الأميركية في أفغانستان. وإزاء هذا الوضع قد تقرر الإدارة الأميركية المقبلة الانسحاب من كل من العراق وأفغانستان بأسرع مما هو متوقع.

تأسيساً على ذلك فإنه سوف ينشأ فراغ استراتيجي في ساحة الصراع الدولي، وإذا نشأ هذا الفراغ فعلاً فإن هناك قوتين مرشحتان للاندفاع إلى ملئه: روسيا والصين. في سياق أزمة القوقاز التي وقعت وتفاعلت خلال شهري أغسطس وسبتمبر حين شنت روسيا غزواً مكشوفاً على جورجيا التي تعتبر حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة فإن واشنطن أحجمت عن اتخاذ موقف صارم ضد عملية الغزو التي تبعها احتلال.

وبعد أن استخلصت موسكو والعالم أن القوة الدولية للولايات المتحدة أصبحت في حالة وهن نسبي فإن القيادة الروسية أخذت تفكر في تصفية نفوذها العسكري هناك. وهكذا ربما تكون دول آسيا الوسطى باكورة لعبة دولية جديدة اسمها ملء الفراغ.

opinion@albayan.ae