وصول وفد أميركي رفيع إلى العراق، بخصوص «الاتفاقية الأمنية»؛ يؤشر إلى أن هذا الملف قد صار فوق نار حامية عملية الأخذ والرد حوله يبدو أنها شارفت نهايتها، فترة «التفويض» الدولي للقوات الأجنبية، تقترب من نهايتها. وكذلك هي الحال بالنسبة لإدارة الرئيس بوش.

ثلاثة أشهر هي كل المتبقي لكلا الفترتين. ولذا فالضغوط تتزايد من الجهتين. ما كان واضحاً خلال التفاوض الجاري بين الجانبين، منذ عدة أشهر حول الموضوع أن ميزان التكافؤ مختل بقوة لصالح واشنطن. ليس فقط لأنها قوة احتلال. بل أيضاً وإلى حدّ بعيد لأن التوافق الوطني العراقي العريض ما زال مفقوداً.

التفاوض بشأن الوصول إلى صيغة مقبولة لهذه الاتفاقية والتوقيع عليها أخذ الكثير من اللغط والجدل، وأثار خلافات وحساسيات، وبطبيعة الحال اعتراضات عراقية عديدة. بعد الذي حصل في سنوات الاحتلال، ليس من السهل تسويغ أي شكل من أشكال استمرار الوجود العسكري الأجنبي؛ على أرض العراق، خاصة وأن الولايات المتحدة راحت تحاور وتناور، من أجل بلوغ الصيغة التي تناسبها.

أو بالأحرى التي تريد انتزاعها. أرادت تأمين أفضل وضع لقواتها التي ستبقى تحت مظلة الاتفاقية. سواء لجهة مدى الصلاحيات والاستقلالية في الحركة والقرار ، أم لجهة الامتيازات التي تصرّ على تمتع هذه القوات بها، وضع ينتقص عملياً من سيادة العراق على أرضه، وواشنطن تطالبه بالموافقة على هذا الانتقاص، من هنا كانت الضغوطات المتزيدة، لتسويق شروط هذا الوجود وتجريعها؛ تحت شتى الذرائع والفذلكات والتلميعات.

مع ذلك لم يكن من الميسور تأمين قبول عراقي، حتى الآن، لهذه الشروط. الآن ترسل واشنطن وفداً من العيار الثقيل إلى العراق؛ لتمرير الاتفاقية.

يرأسه جون نيغروبونتي، و«الحربجي» دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع السابق، ما غيره. تشكيلة الوفد، تنطق بمدى الضغوط التي تنوي واشنطن ممارستها في هذا الخصوص. لكن ما لا شك فيه أن السعي الأميركي هذا لا يعوّل على وزن وفده أو على ضغط الوقت فقط.

هو يعرف أن أقوى أوراقه تكمن في غياب الإجماع، في الموقف العراقي. غياب يعكس العقبات الرئيسية، التي تعذّر تجاوزها؛ لاستكمال العملية السياسية. لا الإصلاحات الدستورية، تحققت. ولا حل مشكلات المناطق المتنازع عليها أمكن التوصل إليه. كذلك هو الأمر بشأن قانون انتخاب مجالس المحافظات، أو هيكلية القوات المسلحة وحجمها ونطاق حركتها؛ ناهيك بقانون النفط والأمور الخلافية بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان.

مسائل شائكة. لكن لا بدّ من تفكيك تعقيداتها وحلها، وطالما بقيت على حالها، طالما تعذّر على العراق النجاح في عقد اتفاقية تكون، ليس فقط سيادته مضمونة إلى أبعد الحدود، في ظلّها؛ بل أيضاً تكون المدخل لخلاص قريب من الاحتلال ومن أي وجود عسكري على أرضه إطلاقاً. صحيح أنه حصل تأخير كبير في هذا الخصوص، وصحيح أن فسحة الوقت باتت ضيقة. لكنها ما زالت كافية لمواجهة هذه الاستحقاقات؛ إذا خلصت النوايا وتمّ الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ العراق.