بالرغم من ردود الفعل العديدة والمتنوعة التي ظهرت خلال الفترة الماضية منذ ان فرضت الازمة المالية «الاميركية» والتي تحولت إلى «عالمية»، وبالرغم من الاتفاق العام بين كل الخبراء تقريبا على المسؤولية الاميركية الكبيرة في حدوث الازمة وتطورها حتى الان، الا أن هناك اجماعا واسعا ايضا، يتبلور تدريجيا، حول أن الازمة لا تهدد الاقتصاد الاميركي وحده ولكنها تهدد ايضا الاقتصاد العالمي ككل.
وانطلاقا من هذه النقطة تحديدا تبرز اهمية وضرورة العمل على اوسع نطاق من التعاون والتنسيق بين القوى المالية والاقتصادية الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان وغيرها من الاطراف ذات التأثير لاحتواء الازمة ووقف تداعياتها كمرحلة اولى ضرورية للتقليل من الخسائر واحتواء السلبيات التي بدأت تظهر في مناطق العالم المختلفة ولو بالتأثير غير المباشر للازمة.
واذا كان اطفاء الحريق له الاولوية ويسبق في العادة البحث في الاسباب وفي سبل الوقاية في المستقبل من حرائق جديدة، فإن التعاون الدولي وخاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان وروسيا والصين والدول والمؤسسات الدولية ذات القدرات المالية الكبيرة، يسبق بالتأكيد البحث عن نظام مالي دولي جديد او حتى تحديد مدى المسؤولية والاسباب المباشرة وغير المباشرة لازمة الرهن العقاري الاميركي لان كل يوم يمر يؤثر بمزيد من السلب على العديد من الكيانات والهيئات والاسواق المالية على امتداد العالم بشكل او بآخر.
في هذا الاطار فانه مع الوضع في الاعتبار المسؤولية الكبيرة للادارة المالية الاميركية عن حدوث الازمة وتطورها، الا أن الاصرار القوي والواضح من جانب الادارة الاميركية على العمل بجدية لحل الازمة من خلال خطة انقاذ محددة، والعمل من اجل تذليل كل الصعوبات امام تنفيذها، قد اعطى رسالة واضحة للاطراف الداخلية الاميركية والخارجية على امتداد العالم، ليس فقط بالعزم على حل الازمة وتحمل كل النتائج المترتبة عليها، ولكن ايضا بادراك مدى خطورة الازمة والحاجة إلى تعاون اكبر عدد ممكن من الاطراف لايجاد حلول لوقف التداعي والسير نحو حلول ملائمة.
ولعل هذا الاصرار على ايجاد حل هو ما يحافظ على قدر من اليقين بأن الجهود المبذولة ستؤدي في النهاية إلى تطويق الازمة على نحو او آخر.
وفي الوقت الذي تعد فيه هذه الايام على جانب كبير من الاهمية، خاصة فيما يتصل بحصول خطة الانقاذ الاميركية على دعم الكونجرس بمجلسيه تمهيدا للبدء في تنفيذها، فإن القمة الرباعية الاوروبية التي يترأسها اليوم - السبت - في باريس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والتي تشارك فيها كل من بريطانيا والمانيا وايطاليا وكبار المسؤولين في المفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي ورئيس مجموعة اليورو تتسم بالكثير من الاهمية لبلورة موقف اوروبي مهم وضروري في دعم الجهود الاميركية للتصدي للازمة الراهنة.
واذا كانت اليابان قد بادرت بالتحرك من جانبها للحد من تأثيرات الازمة على اقتصادها، فإن التعاون والتنسيق الاعمق والاوسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان والمؤسسات المالية الدولية يشكل بالضرورة حجر الزاوية لاية جهود دولية لاحقة للتعامل مع اثار الازمة وللبحث من اجل آليات دولية اكثر قدرة على الحفاظ على استقرار النظام المالى الدولي.
ومع الوضع في الاعتبار الجدل الدائر على جانبي الاطلنطي حول الحاجة إلى اجراءات تدخلية فعالة لضبط الاداء المالي، فإن الازمة الحالية اكدت اهمية وضرورة أن تقوم البنوك المركزية وسلطات النقد المعنية بدورها في ضبط ومتابعة الاداء للنظم المالية والاجهزة المصرفية، ليس رغبة في السيطرة او زيادة دور الحكومات ولكن للتأكد من سلامة الاداء ولمواجهة اية مشكلات في وقت مبكر قبل ان تستفحل وتتحول إلى ازمة اكبر.
وهناك الان العديد من الاطراف تبحث السبل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف مع الحفاظ على اكبر قدر ممكن من الحرية الاقتصادية في الوقت نفسه.
