عندما بدأ الرئيس بوش عامه الأخير في البيت الأبيض، باكتشافه «المفاجئ» أن القضية الفلسطينية هي مفتاح السلم والحرب في المنطقة، وحشد العالم في مؤتمر «آنابوليس» ليطلق مشروعه بحل تاريخي للقضية قبل نهاية ولايته.. قلنا إن الهدف ليس إلا بدء مرحلة من الهدوء تحتاجها السياسة الأميركية لتتفرغ لقضاياها الأهم في المنطقة..

وبالفعل توالت الخطوات على هذه الطريق، من فتح الباب ـ الذي كان مغلقاً بقرار واشنطن ـ للوصول إلى توافق (ولو مؤقت) بين الأطراف اللبنانية المتصارعة، إلى منح الحرية للرئيس الفرنسي ساركوزي لكي يستعيد الحوار مع سوريا بعد قطيعة، وإطلاق الوساطة التركية بين دمشق وتل أبيب لتبدأ المفاوضات غير المباشرة التي تؤكد كل الأطراف أنها تحقق تقدماً.

وكان الكثيرون يتابعون كل ذلك باعتبار أن الهدف منه هو التمهيد للحرب على إيران أو توجيه ضربة قاضية لبرنامجها النووي، سواء مباشرة أو بالتوكيل الممنوح لإسرائيل.. ولكننا كنا بين من يتحفظون على ذلك، ليس فقط بسبب صعوبة القضاء على البرنامج النووي الإيراني بضربة واحدة وبالتالي التورط في حرب طويلة، ولا بسبب ما يمكن أن تؤدي إليه ضربة أميركية (أو إسرائيلية) من مخاطر على المصالح الأميركية في المنطقة وفي العالم.

كما أوضح الرئيس الأميركي في إطار رفضه توجيه إسرائيل لمثل هذه الضربة لإيران أثناء اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل أولمرت في مايو الماضي، وفقا لرواية «الجارديان» البريطانية قبل أيام. ورغم أن محاصرة نفوذ إيران تبقى ضمن الأهداف المعلنة للاستراتيجية الأميركية، إلا أن استبعاد ضرب إيران يسلط الأضواء على الأسباب الأخرى وراء سعي واشنطن نحو التهدئة منذ بداية العام:

1- كان هناك الوضع في العراق، وحاجة الرئيس الأميركي إلي تقديم ما يمكن أن يصوره للرأي العام الأميركي على أنه «انتصار» حققته خطته في العراق. وهو أمر يحتاج إلي دعم عربي رسمي، وإلى تهدئة للرأي العام لتمرير اتفاقية التواجد العسكري الأميركي في العراق.

2- وكان هناك الوضع في أفغانستان.. حيث استعادت حركة طالبان نشاطها وأصبحت تسيطر على معظم البلاد، وحيث عاد ناشطو «القاعدة» من العراق، فكانت النتيجة انخفاض معدل العمليات العسكرية ضد الأميركان في العراق لتتعاظم في أفغانستان. وهو أمر يستدعي حشد الجهد العسكري الأميركي لوقف التدهور على هذه الجبهة الرئيسية، وبالتالي تهدئة الأوضاع في جبهات أخرى.

3- لكن الأخطر من كل ذلك كان في باكستان، حيث كانت الولايات المتحدة تعد للتخلص من الجنرال مشرف، وتحاول وقف مد التيارات المتشددة المتحالفة مع طالبان من جانب، ومع قطاعات هامة في الجيش الباكستاني من جانب آخر. الأمر الذي جعل مهمة أميركا في أفغانستان شبه مستحيلة، وهدد بسقوط باكستان (النووية) في يد الفوضى أو التطرف، كما ترى الإدارة الأميركية التي لم تفقد الأمل في التغيير في باكستان رغم اغتيال بنازير بوتو، والتي تدرك الآن صعوبة الوضع إزاء ضعف الحكام الجدد، وانفتاح الباب في باكستان على كل الاحتمالات.

الوضع في باكستان هو الأخطر بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وسوف تفعل واشنطن أي شيء وكل شيء لضمان عدم وقوع السلطة في دولة نووية في يد التيارات «المتشددة».

ومع ذلك فالعداء لأميركا يزداد في الشارع الباكستاني، والأهم في دوائر المخابرات والجيش، خاصة في ظل تنامي العلاقة بين أميركا والهند التي تأمل أميركا أن تكون حليفاً لها مستقبلاً في مواجهة الصين، ولكن المشكلة أن باكستان ـ بحكم العداء التاريخي ـ لن ترى في اتفاق التعاون النووي الأخير بين واشنطن ونيودلهي إلا علامة خطر على أمنها.

وقد يبدو هذا الوضع داعياً للتشدد الأميركي ضد إيران حتى لا يتكرر «الخطر النووي» كما تراه، ولكن الوجه الآخر للمشكلة يشير إلى رهان فريق في الإدارة الأميركية على أن المصالح الاستراتيجية لا بد أن تحكم الموقف في واشنطن وفي طهران أيضا! وأن القراءات الموضوعية تقول انه إذا كانت الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان خيراً وبركة على إيران التي كانت اكبر المستفيدين.

فإن المصلحة الإيرانية سوف تقف ضد عودة طالبان وضد سقوط باكستان في أيدي حلفائها، وإذا ضمنت أميركا استمرار النفوذ الإيراني في العراق وأعطت طهران الدور الإقليمي الذي تطلبه، فإن التعاون بين الجانبين سيتحقق.

وبالطبع هناك في الإدارة الأميركية من يتحفظ على ذلك، ويربط مثل هذا التطور بتغيير في القيادة الإيرانية لصالح الاتجاه المعتدل، ولكن في كل الأحوال نحن على أبواب تطورات بالغة الأهمية في المنطقة، سوف يكون على القادم الجديد للبيت الأبيض أن يحسم موقف أميركا منها، وعلينا من الآن أن نتوقع تغييرات جذرية في خريطة التحالفات القائمة، وان تنتهي فترة الهدوء المصطنع في بعض الملفات، وأن يتم ـ على العكس ـ تبريد جبهات ظلت حتى الآن مشتعلة.

والكل من حولنا يستعد، ونحن أيضا في العالم العربي نستعد ـ كالعادة ـ بالإبقاء على خصوماتنا وانقساماتنا، وترك مستقبل المنطقة يتقرر في غيابنا، وعلى حسابنا.. إذا بقي لنا حساب!!

كاتب وصحافي مصري

elsadattt@hotmail.com