إثر إحتلال الجيش الأميركي للعراق وإسقاط الرئيس صدّام حسين، بدأت العمليات العسكرية على القوات الأميركية بشكل فاجأ الولايات المتحدة التي كانت (تقارير حلفائها) في الداخل تتوقَّع أن تُنثَر الورود على قواتها حين تدخل. ولتغطية العجز عن مقاومة هذه العمليات راحت واشنطن تُلقي الإتهامات بأن السيارات المفخخة تدخل عبر الحدود وأن الإنتحارييّن يتسللون عبر الحدود إما عبر طهران وإما عبر سوريا.

سارعت دمشق إلى الرد أكثر من مرة ونفي هذه الإتهامات، ومن بين الردود التي أوردتها أن مسألة ضبط الحدود بين الدول أمرٌ في غاية الصعوبة خصوصاً إذا كانت المسافات طويلة وإذا كان هناك تداخل وليس مجرد خطوط مرسومة على الورق، وسألت دمشق واشنطن:

هل استطعتم ضبط حدودكم مع المكسيك رغم كل الأسلاك المكهربة وخفر الحدود وكاميرات التصوير؟ (والمعروف أن تسلل الأشخاص من المكسيك إلى الولايات المتحدة مستمرٌ يومياً على رغم كل الإجراءات).

الجواب السوري أربك واشنطن فجعلها تُفتش عن الوسيلة الفضلى لضبط حدود العراق مع جاراتها.

الحدود بين لبنان وسوريا متداخلة في أكثر من مكان:

من النهر الكبير شمالاً حتى مرتفعات جبل الشيخ شرقاً، حتى أن قرى لبنانية نصفها في لبنان ونصفها الآخر في سوريا، كما أن بعض القرى اللبنانية ليست لها طريق تُوصِل اليها إلا عبر سوريا.

هذا الواقع الجغرافي ليس جديداً بل هو قَدَرٌ بين البلدين طالما أن لبنان سيبقى موجوداً، وطالما أن سوريا ستبقى موجودة، إذاً ما هي السُبُل الفضلى لإبقاء الحدود هادئة؟

الإجراءات التقنية واللوجستية وحدَها لا تكفي، كما أن التدخل العسكري لدولة ضد دولة أخرى لا يُشكِّل الحل بل يفاقم المشاكل.

جلس الأميركيون والسوريون على طاولة واحدة لضبط الحدود بين سوريا والعراق، فما الذي يمنع أن يجلس المسؤولون في لبنان وسوريا على طاولة واحدة لدرس السبل والإجراءات لضبط الحدود؟

المشكلة الثانية أن العلاقة بين لبنان وسوريا كانت دائماً موضع مدٍّ وجزر، فإما تبعية حتى مستوى تعيين موظف من الفئة الرابعة، وإما عداء لا هوادة فيه. الحالتان غير صحيَّتين ومن المفترض، لا بل من الملح أن يتم إيجاد نقطة وسط بين النقطتين، والخطوة الأولى لتحقيق هذا الأمر تكمن في إيجاد قناة إتصال رسمية وشفافة تطرح كل المواضيع بعقلانية وبموضوعية، فالحدود المشتركة ستبقى حدوداً مشتركة ولن تتبدَّل، والمصالح المشتركة تحكمها الجغرافيا، فسوريا بوابة لبنان البرية إلى العالم العربي، ولبنان هو البوابة لسوريا إلى المتوسط.