في الوقت الذي تبقى فيه الشؤون الداخلية حقا أصيلا لدولها، تصر بعض الدول على التدخل في شؤون غيرها الداخلية التي لا تحتمل أي نوع من التدخل، خاصة عندما يأتي التدخل من خلال وسائل إعلامها. مناسبة حديثنا هذا ما نشرته وكالة «فارس» الإيرانية منذ أيام عن «البدون» في الإمارات، إذ قالت في الخبر: «إن الإمارات تواجه تحديات على صعيد حقوق الإنسان، منها قضية الذين لا يحملون أوراقا ثبوتية».
وأن هؤلاء محرومون من كل الحقوق السياسية والاجتماعية، مثل العمل والعلاج المجاني والتملك وحتى الزواج إلا بإذن الحاكم، وأن إحصاءات «المنظمة الدولية للاجئين» تشير إلى أن أعداد «البدون» في الإمارات تصل إلى 100 ألف شخص، وأن الإمارات أصبحت حساسة من إثارة هذا الموضوع إعلاميا..» ...الخ.
خبر الوكالة يجعلنا نتساءل عن المصادر التي اعتمدت عليها عندما تحدثت عن مسألة الحرمان من الحقوق، وعن أعداد البدون، وعن رأي «المنظمة الدولية للاجئين»، وحساسية الإمارات من إثارة هذا الموضوع إعلاميا. فالحرمان من الحقوق لو كان موجودا بالصفة التي ذكرتها الوكالة لاختار كثير من البدون الإقامة في دول أخرى. أما بالنسبة لأعداد «البدون»، فالإمارات نفسها لم تحدد قط عددهم.
وبالنسبة لرأي «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين» في جنيف، فقد رحبت المفوضية منذ فترة بقرار الإمارات من أجل إيجاد حل لمشكلة الذين ليست لديهم أوراق ثبوتية ووضعهم داخل الدولة.
بل وأشادت المفوضية بجهود قيادة الإمارات لتشجيع هؤلاء الأشخاص على تسجيل بياناتهم والتزامها بإيجاد حل لمشكلتهم، ودعت الدول الأخرى إلى أن تحذو حذو الإمارات في قرارها الشجاع، وقد جاء ذلك كله في بيان أخير نشر الأسبوع الماضي عن المفوضية التي لم تنتقص الإمارات أو تشير إلى أية تحديات حقوقية تواجهها.
وإضافة لكل ما سبق، وهو الأهم، أن الإمارات لم تتحفظ يوما إعلاميا على إثارة قضية «البدون»، بل إن هذه القضية كانت وما زالت تثار عبر وسائل، فلماذا هذه الاستنتاجات التي لا واقع لها والتي في الأصل لا تعني متابعي وكالة أنباء «فارس» ولا الشعب الإيراني الذي قد يكون من الشعوب التي تواجه تحديات على صعيد حقوق الإنسان، لكن الإمارات ودولا أخرى تنأى بنفسها عن التدخل في شؤونهم الداخلية؟
أوضاع «البدون» ليست حصرية على مجتمع الإمارات، ومع ذلك يحسب للإمارات مبادراتها في حل هذه المشكلة دون توجيه أصابع الاتهام إليها في قضايا حقوقية، أو الادعاء عليها بناء على تحليلات واستنتاجات لا ترقى إلى مستوى الحقائق.فإذا كانت الإمارات اليوم بتلك المبادرات القيمة مع من لا يحملون أوراقا ثبوتية تسعى لهم لحياة أفضل، فمن حقها أيضا أن تضم بين حدودها أفرادا بأوراق ثبوتية للحفاظ على أمنها واستقرارها الذي قد يكون عرضة للخطر في حال وجد فيها أفراد يقيمون دون أوراق ثبوتية، ومن حقها أن تدير شؤونها الداخلية بالطريقة التي تناسبها دون أن يقحم الآخرون أنفسهم فيها.
لذا فإن ما نتمناه أن يتعاون «البدون» مع مبادرات وزارة الداخلية ليتم إنهاء أزمتهم، بدل إثارة جدل لا وقت ولا حاجة له في وسائل إعلام يفترض أن تركز على أمور أكبر وأكثر أهمية في شؤونها الداخلية!
