من القصص الطريفة في التاريخ المصري القديم أن الإسكندرية وقت أن كانت عاصمة لمصر كانت تموج بالمتناقضات فكان بها مدارس فلسفية مختلفة وحركات صوفية بكل ألوان الطيف.

وكان بها في الوقت نفسه أماكن اللهو الأكثر إغراقاً في الإباحية، ووسط هذه المتناقضات اجتمع في الإسكندرية في وقت واحد متصوف ذائع الصيت وغانية لا تقل عنه شهرة، وبعد إلحاح من مريديه قرر هذا المتصوف أن يذهب لدعوة هذه الغانية إلى طريق الهداية، وبتكرار زياراته إلى الملهى الذي تعمل فيه اهتدت الغانية، ولكن المفاجأة كانت سقوط الزاهد في فخ المتعة واللهو ليتبادل الطرفان مواقعهما!

وتبادل المواقع في هذه القصة يصلح نموذجاً لفهم حالات من التأرجح تشهدها العلاقات الدولية خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تتبنى أطراف مواقف تبدو مبدئية في قضية معينة ثم تنقلب على هذه المواقف متبنية خطاب خصومها!

ومن أمثلة هذه التحولات أنه بعد سنوات من النقد الروسي الحاد للإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر والتنديد بافتقارها للمشروعية ومخالفتها للمواثيق الدولية فجأة قررت روسيا أن تستخدم المنطق نفسه، فقد وصف الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف هجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية بأنه بمنزلة أحداث 11/9 بالنسبة إلى روسيا.

وقال ميدفيديف إن العالم استفاد من دروس هجمات 11/9 التي تعرضت لها الولايات المتحدة، مضيفاً انه يأمل في حدوث الأمر ذاته بعد الأحداث التي شهدتها منطقة القوقاز أخيراً. وأضاف: ان «لروسيا مصالح في بعض المناطق.. من سوء التقدير إنكار ذلك لأننا سندافع عن مصالحنا ومصالح المواطنين الروس».

وأضاف الرئيس ميدفيديف: «لقد تغير العالم... ولقد خطر ببالي أن يوم 8 أغسطس بالنسبة إلى روسيا أصبح مثل 11 سبتمبر 2001 بالنسبة إلى الولايات المتحدة... إنها مقارنة دقيقة تلائم الواقع الروسي... لقد استفادت الإنسانية من مأساة 11 سبتمبر وأحداث مأساوية أخرى. أود أن يستمد العالم أيضاً الدروس من هذه الأحداث».

والحديث عن الحادي عشر من سبتمبر بهذه اللغة التي تقر بمفصليته وبأن العالم تغير بعده، بل إن هذه اللغة تقر ـ ولو ضمنياً ـ بمشروعية ما ترتب عليه من عمليات «إعادة صياغة» بالقوة لمنطقة تضم عدة دول تمتد من أفغانستان إلى العراق، جديد على الدبلوماسية الروسية التي طالما انطلقت من أن رد الفعل الأميركي على هذه الهجمات سببه الرغبة الأميركية في الهيمنة على العالم.

وغني عن البيان هنا أن محللين كثيرين اعتبروا أن الموقف الروسي من قضيتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية يشبه تماماً الموقف الأميركي من إقليم كوسوفو الذي تبنت الولايات المتحدة فصله عن صربيا، فبعد تنديد رسمي روسي شديد وصل إلى حد التلويح باستخدام القوة لمنع انفصال الإقليم عن صربيا، تقوم روسيا بالفعل نفسه عندما تفصل أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا وتعترف باستقلالهما من طرف واحد معتدية بذلك على سيادة جورجيا!

وفي مشهد مماثل أعرب وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير عن الأسف لما سماه: «التراجع المخيف» لحق التدخل الإنساني ومسؤولية الحماية في العالم، مشيراً إلى أزمات محددة مثل دارفور غربي السودان وبورما وزيمبابوي وأشار كوشنير إلى بعض الأزمات الدولية التي لن تتدخل فيها الأسرة الدولية لإنقاذ الضحايا.

وقال: «هناك تراجع مخيف لمسؤولية الحماية في كل مكان»، ونوه بأن الأسرة الدولية وفرنسا رفضت التدخل في بورما، دون موافقة السلطات، وصرح ان «فرنسا عليها أن تحمر خجلاً لأنها تركت يمر حق التدخل الإنساني ونرى ذلك بالنسبة لدارفور وكينيا وبورما»، على حد قول الوزير الفرنسي الذي يعتبر أول من دعا إلى التدخل الدولي لأسباب إنسانية .

وأشار رئيس الدبلوماسية الفرنسية إلى أن «مسؤولية الحماية أوجدت من أجل التدخل لحماية الضحايا في الحروب ولكنها كانت في الماضي من أجل الكوارث الطبيعية أيضاً»، وهذا الخطاب الرسمي الفرنسي ليس فقط انقلاباً على التباين التقليدي بين الخطابين الأميركي والأوروبي بشأن قضيتي: سيادة الدولة وحق المجتمع الدولي في التدخل.

بل هو بالقدر نفسه انقلاب على ما كان حتى وقت قريب راسخاً كسمة مميزة للموقف الفرنسي على الساحة الدولية خلال العواصف العاتية التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عندما كانت الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك للتدخل الأميركي في أفغانستان والعراق تقدم بوصفها الموقف المبدئي الحريص على احترام القانون الدولي وسيادة الدول مقابل الموقف الأميركي الذي ينتهك هذه القيم والمبادئ.

وتبادل المواقع بهذا الشكل لا يحدث في السياسة الدولية إلا نادراً ومن هنا تأتي أهمية رصده وإخضاعه للتحليل، أولاً: بهدف رسم مسار لتطور الموقف الرسمي للقوى الكبرى من القضايا الخلافية، وثانياً: لأجل تعظيم قدراتنا على الاستشراف المستقبل بحيث لا نفاجأ بتحول موقف قوى كبرى نحسب أنها حليف لنا في قضايا حساسة نحتاج فيها إلى من يساند موقفنا.

وبطبيعة الحال فإن عبرة القصة الواردة في بداية المقال هي الأهم، وبالتالي، لا معنى هنا للتساؤل عمن يكون الأجدر بوصف «الزاهد» ومن الأحق بوصف «الغانية»!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com