الرئيس الأميركي جورج بوش أبى أن تنتهي رئاسته، وهي في أواخر خريفها، دون أن يعيد التأكيد على التزامه الأصلي، بخطه الفلسطيني ـ الإسرائيلي. معادلته بسيطة: الكلام لرام الله؛ والسلاح مع الاحتضان، لإسرائيل. هكذا كانت من البداية، وهكذا بقيت حتى اللحظة، وهو اليوم يجدّد التأكيد عليها. وإذا كان هناك من التباس، فإن ما قاله قبل أيام؛ وما وافق على بيعه من أسلحة فريدة لإسرائيل؛ كفيلان بإزالته.
خلال لقائه الأخير مع الرئيس الفلسطيني على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك؛ خاطب الرئيس بوش ضيفه بالقول «إنني آسف لأن عام 2008 لن يكون العام الذي يتحقق فيه حلم الدولة الفلسطينية؛ أي خلال فترة رئاستي».
وأضاف: «لكنني أنا الذي جعلت الدولة الفلسطينية تصبح حقيقة حتمية»! كل الوعود والمواعيد، مع آنابوليس والخريطة وما قبلها وبعدها؛ كلها مسحها بكلمة أسف، وكأن شيئاً لم يكن. الأنكى أنه راح، وببرودة أعصاب وعين مفتوحة، يمنّ على الرئيس عباس بدولة حبر على ورق؛ وبأنها فكرة صارت بحكم الواقع المحتوم.. لكن لاحقاً. فقط ضيق الوقت، حسب ما أوحى، يحول بينه وبين إشرافه على تحقيق هذه الحتمية، وكأن ثماني سنوات لم تكن كافية.
في اللحظة نفسها ، وبالرغم من ضغوطات الأزمة المالية الخانقة؛ يجد الرئيس الوقت الكافي لإرسال المزيد من هدايا التسليح إلى إسرائيل. اذ وافق على تزويدها بسرب مقاتلات من طراز أف 35، وهي آخر ما أنتجته صناعة الطيران الحربي الأميركي. تملك مميزات متفوقة وغير مسبوقة، من حيث الطيران لمسافات بعيدة جدّاً وعلى علو شاهق؛ مع قدرات لقصف أهداف بعيدة وللتملّص من الدفاعات الجوية.
وكانت واشنطن قد امتنعت عن تزويد أي بلد ولو حليف بها، كما أنها سبق ورفضت بيعها حتى لإسرائيل. لكن في زمن بوش، ما عاد هناك سلاح أميركي ممنوع تسليمه لإسرائيل. كل الترسانة الأميركية مفتوحة أمامها.
«أسف» الرئيس بوش، أمام الرئيس عباس، أكّد المعروف. كذلك لا جديد ـ ما عدا النوعية ـ في موافقته على صفقة الطائرات، وقبلها بأيام على إقامة شبه قاعدة أميركية في جنوب إسرائيل لنصب شبكة رادار، فريدة أيضاً، هدية لتل أبيب. هذا كان وهو الآن، ما في جعبة الإدارة: عملة لا تجد من يصرفها، للفلسطينيين، وآلة نار ودمار، لا تضاهى، لإسرائيل. الصورة باتت جليّة، ما ينقصها هو معرفة ما الذي في جعبة الأطراف الفلسطينية تجاه بعضها البعض؟ استمرار الشقاق أم العمل على ترميم البيت النازف؟
