كم هو شعور جميل أن يجد الانسان نفسه وقد أدى فرضه وأرضى ربه على امتداد شهر كامل من أشهر الصيام الفضلى، التي تهل علينا كل عام فتجعلنا نعيش هذه الفيوضات الروحانية، ونتلمسها في دواخلنا فتترك فينا شعوراً بالرضا والسكينة والطمأنينة النفسية.
ثم يأتي عيد الفطر فتكتمل مشاعر الدفء النفسي، دفء مرده الايمان بالله الخالق وطاعته في أوامره ونواهيه، ودفء مرده كون الانسان فرداً في عائلة كبيرة يستمد منها الشعور بالعزة الذاتية، هذه الاسرة العمانية الكبيرة التي تهوي أفئدتها إلى المساجد وأماكن الصلوات في الخلاء فيقف الناس جنباً إلى جنب يبتهلون إلى بارئهم بطلب المغفرة ورجاء المثوبة.
بعد تخرجهم بنجاح في فصل من فصول (مدرسة الصيام) بما تحمل من دروس وعبر في بناء الفرد والأمة، وكما قال معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالله السالمي وزير الاوقاف والشؤون الدينية في خطبة عيد الفطر المبارك أمس بجامع السلطان قابوس بصحار، إن تمكين الله للناس في الأرض منوط بقوة الدين والعقل وعليهما يقوم سلم الحضارة والمجد.
وحقيقة الأمر أننا نرى نفرا من أعداء العرب والمسلمين قد سعى لفصل الدين عن حياة الناس وحض على الاخذ بسبل الحياة المادية بزعم أنها السبيل الى سعادة الانسان ففشلوا وذهبت ريحهم لكن اجمل ما في حياة المسلمين هو هذا الجمع الوثيق بين التمسك بضرورات العقيدة وطروحات الشريعة الاسلامية كهاد الى الصراط المستقيم، وبين تأسيس حياة دنيوية مستقرة للانسان المسلم وللآخرين من حوله.
بحيث يكون التنافس على الخيرات هو المعيار الفاصل بين من يستحق الثواب ومن لا يستحقه، وكم من أمم بنت حضارتها على أساس من المادة ليس إلا واعتبرت الدين مجرد (أفيون للشعوب) فتهاوت أركان هذه الأمم واضطرت لإعادة هيكلة حياتها بحيث يدخل الدين كمكون أصيل في الحياة العامة، فكان أن استقامت أمورها.
كذلك هناك أمم أقامت حضارتها على أساس الاعتداء على الآخرين بذرائع عدة ثم استفاقت اخيراً الى انها هي التي دفعت ثمن غيّها وسطوتها على الناس بغير حق.
اما في بلادنا ولله الحمد فقد رزقنا الله نعمة جُلّى وفضيلة عُليا، وهي تتمثل في قيادة رشيدة تأخذ بمنهج المزاوجة بين البعد الروحي والبعد المادي، وبين احترام حاجات الذات وفي نفس الوقت تقدير حاجات الآخرين ومصالحهم ومعتقداتهم، فكان ان شملت عناية الله وطننا عُمان، وأضاء المولى جلت قدرته بصيرة راعيه وسنده وقائده المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأدام على يده عز هذا الوطن وسؤدده.
فغدت أرزاق الوطن محمية ونفوس أبنائه مطمئنة الى نصر الله وعونه ووقاه الله شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، فلله الحمد والمنة على ما أعطى ووهب. وبهذه المناسبة نتقدم إلى مقامه السامي بالدعاء إلى الله ان يهبه مزيداً من الدعم والتأييد ونور البصيرة، حتى تتحقق على يديه الكريمتين أهداف بلادنا وغاياتها مهما تسامقت في علياء المجد وذراه.
وكل عام وجلالته والشعب العُماني والأمتان العربية والاسلامية بخير وهناءة واستقرار، بقدر ما أحسن المحسنون وأخلص المخلصون، وطالما انهم بنعمة الله مسلمون وعلى طاعته محافظون.
