تنصّ المادة 35 من الدستور الفرنسي المعدّلة بتاريخ 21 يوليو الماضي على أنه عندما تتجاوز مدّة بقاء القوات العسكرية الفرنسية الأربعة أشهر في الخارج يتوجّب على الحكومة إخضاع قرار تمديد مهمتها لموافقة البرلمان.

بناء على هذا الموجب الدستوري اجتمع يوم الاثنين 22 سبتمبر الماضي أعضاء الجمعية الوطنية وأعضاء مجلس الشيوخ (اللذين يشكلان البرلمان الفرنسي) للاقتراع على تمديد، أو «عدم تمديد»، مهمة القوات الفرنسية المتواجدة في أفغانستان.

ولعلّه من المفيد التذكير هنا أن فرنسا كانت قد أرسلت قوات إلى أفغانستان في عام 2001 بعد سقوط نظام طالبان. وقررت تعزيز هذه القوات في الأول من شهر أبريل الماضي. في الحالتين كان هناك نقاش برلماني ولكن دون إخضاع القرارات المتخذة ل«الاقتراع» عليها.

هذه المرّة الأخيرة كان لا بدّ من الاقتراع ب«اسم القانون» المعدّل. صحيح كانت النتيجة معروفة مسبقا وهي الموافقة على تمديد مهمة القوات الفرنسية في أفغانستان؛ فالأغلبية البرلمانية اليمينية لا يمكن إلا أن تقف وراء الرئيس ساركوزي صاحب قرار تعزيز القوات قبل عدّة أشهر. للتذكير أيضا كان الرئيس ساركوزي قد أكّد على ضرورة سحب القوات الفرنسية من أفغانستان عندما كان مرشّحا أثناء حملته الانتخابية الرئاسية في ربيع عام 2007.

لكن وفيما هو أبعد من القرارات البرلمانية هناك موقف الرأي العام الذي لا تستطيع السلطة السياسية تجاوزه بسهولة. في الواقع، كان الفرنسيون و«الأوروبيون عامة» قد اعتقدوا أنهم قد «طمروا فؤوس الحرب» مرّة واحدة وإلى الأبد.

ثمّ جاء مقتل الجنود الفرنسيين العشرة في 18 أغسطس الماضي لتُطرح في الشارع الفرنسي أسئلة عديدة تصب إجمالا في فحوى السؤال التالي: «ما علاقة فرنسا بأفغانستان؟».

وكانت ردود الفعل غاضبة أكثر على خلفية الاعتقاد «السابق» أن مهمة أولئك الجنود كانت من نوع مهمات القوات الدولية في كوسوفو وغيرها. أمّا اليوم فقد تكشّف أن الأمر يتعلّق ب«قتلى» و«حرب» و«دماء» و«خسائر جديدة محتملة». ولهذا تعددت الأصوات المتسائلة: «لماذا تكذبون علينا؟» و«لماذا يموت أبناء فرنسا في قفار أفغانستان النائية؟»..

ولم يتردد كثيرا عن النزول إلى الشارع والتظاهر للمطالبة بانسحاب القوات الفرنسية من أفغانستان. الرئيس ساركوزي ومستشاروه المقرّبون على دراية كاملة أن مشاركة جنود فرنسيين بالحرب في أفغانستان لا تحظى بموافقة شعبية لدى الرأي العام الفرنسي. ويدركون أكثر أن خسائر جديدة في الأرواح بين الجنود الفرنسيين هناك قد تحشرهم في الزاوية الضيقة.

على خلفية مثل هذا الإدراك وجّه الرئيس ساركوزي رسالة للبرلمانيين من المعارضة قبل الاقتراع على تمديد مهمّة القوات الفرنسية في أفغانستان، ومن خلالهم للرأي العام الفرنسي، حاول فيها إعادة التأكيد على «مبررات» قرار تعزيز القوات في أفغانستان وليس سحبها.هكذا تحدّث عن «مكافحة الإرهاب» و«الدفاع عن القيم الإنسانية».

لكن وفيما هو أبعد من «الحجج» التي غدت ك«شعارات» برّاقة تنتمي بالأحرى إلى «اللغة الخشبية» فضلا عن الإدراك العام أنها تخدم أهدافا سياسية «واضحة»، هناك ما هو أهم في رسالة الرئيس ساركوزي للبرلمانيين والمتمثّل في تمنياته بتوصّل الجيش الأفغاني إلى السيطرة سريعا على المنطقة المحيطة بالعاصمة الأفغانية كابول؛ بل وحدد أفق شهر أغسطس 2009 موعدا لذلك.

وتمنّى الرئيس الفرنسي أن يكون الجنود الفرنسيون «أقل تعرّضا» للوقوع في كمائن «قاتلة» مثل ذلك الذي عرفه شهر أغسطس الماضي. وهذا ما يرى المسؤولون الفرنسيون انه يتطلّب الإسراع في تدريب القوات الأفغانية ف«البقاء ليس غاية في أفغانستان ولكن الغاية هي بالأحرى الرحيل عنها».

هذه الأماني تبدو،على ضوء ما يتفق حوله عامة ـ على حدّ معرفتي ـ الاستراتيجيين الغربيين أنفسهم، ضربا من «الأحلام»،هذا إذا لم يكن «الأوهام». الفكرة التي تتردد لدى هؤلاء الاستراتيجيين وخبراء الحرب هي أن تكوين الجيش الأفغاني كي يكون قادرا على مواجهة مقاتلي طالبان ومن لفّ لفّهم يتطلّب ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة. أي ما يعني أنه ينبغي على الجنود الفرنسيين ان « يصمدوا « حتى أفق عام 2015. وما هو شبه مؤكّد في هذه الحالة هو وقوع عدد أكبر من الضحايا، وليس مؤكّدا بالمقابل قبول الرأي العام بذلك.

«النفق يبدو طويلا» إذن خاصة إذا صحّت معلومة «استراتيجية «،هي الأخرى، ومن خبراء استراتيجيين غربيين مختصّين بالمنطقة مفادها أن السيطرة الفعلية والحاسمة على الوضع في أفغانستان تستدعي مساهمة ثلاثمئة ألف جندي. وهذا «شبه مستحيل «. كإشارة سريعة يبلغ عدد الجنود الفرنسيين اليوم في أفغانستان ثلاثة آلاف جندي.

ثمّ ينبغي عدم نسيان دروس التاريخ التي تؤكّد أن إمبراطورية التاج البريطاني، وفي عزّ قوتها، فشلت ثلاث مرّات في إخضاع أفغانستان لسيطرتها وفشلت أيضا «الإمبراطورية» السوفييتية مرّة رابعة. ولا شيء يسمح بالقول إن هذه المرّة الخامسة الأميركية ـ الأطلسية ـ الأوروبية ستكون هي « النافذة».

بالمقابل كل شيء يسمح بالقول إن تغيير الرؤية الاستراتيجية السائدة اليوم مطلوب للشروع في أفق الحل، إن لم يكن الحل نفسه. والسؤال الحقيقي هو معرفة إذا كان الرئيس الفرنسي يستطيع، «إذا أراد»، إقناع الأميركيين بتغيير «استراتيجية الحرب» إلى «استراتيجية التنمية»؟

وهل يستطيع «إذا أراد»، أن يفهمهم أن ما يجري باسم «الحرب ضد الإرهاب» قد يعني «تحالفا موضوعيا» مع من يدعونهم ب«الإرهابيين». وهل يحتاج الأمر إلى محللين لفهم أن شراسة القصف الأميركي للمدنيين الأفغان وللقرى الأفغانية الفقيرة، والذي امتدّ مؤخرا إلى باكستان، تزيد من شعبية طالبان؟!.

لعلّ الرئيس الفرنسي يدرك أهمية التغيير، لكنه يدرك أيضا أن الرئيس الأميركي القادم، اوباما أو ماكين، سوف يتابع منهج الحرب في أفغانستان وبالتالي سوف يطلب من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين ـ هناك 24 بلدا من بلدان الاتحاد الأوروبي من أصل 39 لها قوات اليوم في أفغانستان ـ زيادة مساهمتها في تحمّل المسؤولية.

والموقف الفرنسي الرسمي الحالي يذهب في اتجاه ذلك المنهج، وهذا ما شرّعه البرلمان مؤخرا. لكن من المشكوك فيه أن يؤدي هذا إلى برّ الأمان.

بكلمة واحدة أفغانستان بحاجة إلى تنمية وليس إلى جنود أجانب؛ بحاجة إلى إنتاج ما يسمح لها بتأمين الغذاء والدواء والتعليم والانتماء إلى العالم وليس على إنتاج الأفيون.

هذا ما قاله وردده كثُر.وما هو واضح كقرص الشمس في وضح النهار. وهذا ما ينبغي عمله أوّلا وأساسا واليوم وغدا إذا كان يراد إنقاذ أفغانستان من التطرّف ووضع حد نهائي للكمائن «القاتلة». وهكذا تستطيع فرنسا تجنّب الغوص أكثر في حبائل «الورطة» الأفغانية.ولعلّه هنا بالتحديد تكمن أيضا « الجبهة الحقيقية» في «حرب المستقبل» في أفغانستان ولكن ليس فيها وحدها.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr