يذكرنا عنوان مقالتنا هذه بالبيت العربي الشهير لأبي الطيب المتنبي الذي نردده كلما حل علينا العيد وهو: «عيد بأية حال عدت يا عيد» تعبيراً عن أن العيد يحل وما زالت مصائبنا قائمة.

ويبدو أن وضعاً شبيهاً كهذا يمر به الرئيس جورج بوش الابن هذه الأيام وهو يودع البيت الأبيض، ليبدأ بكتابة مذكراته كعادة رؤساء أميركا السابقين ودأبهم على تسجيل ما مروا به في حياتهم وعلى وجه الخصوص بتلك المدة التي قضوها في سدة حكم أقوى بلد في العالم وأكثرها نفوذاً وأعظمها اقتصاداً!!

غير أن جورج بوش الابن يترك كرسي الحكم وقد اضطرب العالم بشكل لا سابق له قياساً بأيامه الأولى ببيت الحكم في واشنطن. فكانت الولايات المتحدة آنئذ في منعة لا يفكر أحد في مهاجمتها حتى في قواعدها الخارجية المنتشرة في ربوع العالم المختلفة والبعيدة عن حدود قارتها، ناهيك أن تهاجم في عقر دارها!!

وكانت أميركا آنئذ ليست في حالة حرب على أي جبهة سوى تدخلات عسكرية لها هنا وهناك كانت تنتهي سريعاً كتدخل قواتها المحدود في الصومال. والمعروف أنها كانت في حالة «شهر عسل» مع عدوها السابق وصديقها الجديد روسيا التي فقدت كل إمبراطوريتها لتغدو شأنها شأن أي دولة من العالم الثالث تمتلك سلاحاً نووياً!!

وكانت كوبا في حالت احتضار وأميركا اللاتينية مازالت في قبضتها. أما اقتصادها فكان متيناً يضرب به المثل في استقراره، حيث كان مؤشر الداو جونز في صعود مستمر مقروناً بأسعار نفط معقولة لا تتجاوز الأربعين دولاراً ، وأخيراً وليس آخراً، لم تكن قوة الصين الاقتصادية بالدرجة التي هي عليها هذه الأيام!!

ها هو جورج بوش الابن يترك البيت الأبيض وقد تغير المشهد بكل تفاصيله لتتطور الأوضاع نحو الأسوأ بحيث أصبحت الدولة الأقوى بالعالم في وضع لا تحسد عليه!! فقد هوجمت الولايات المتحدة في عقر دارها في باكورة عهد بوش في الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 .

وهذا الهجوم هو سابقة تحدث لأول مرة في تاريخها منذ قيام الجمهورية الاتحادية الأميركية قبل ثلاثة قرون، ولم يسبق تلك السابقة سوى هجوم الطيران الياباني بيرل على هاربر في الحرب العالمية الثانية التي أجبرتها على دخول تلك الحرب!!

ثم ها هي وقد تورطت في حربين على جبهتين مختلفتين وهما أفغانستان والعراق، ولا يعرف نتائج تينك الحربين بالذات تلك الدائرة رحاها في أفغانستان والتي تأخذ فيها حركة طالبان قصب السبق كل يوم، مع تدهور في أوضاع حليفتها باكستان، ذات السلاح النووي، التي بات مستقبلها واستقرارها مجهولا بعد أن ظهرت نسخة من طالبان على أراضيها!! ثم لا تبدو الأوضاع في العراق تسير كما رسمت إدارته مع تصاعد في النفوذ الإيراني وتكاثر الحديث حول برنامجها النووي!!

أما شهر عسلها مع روسيا فقد أتى إلى نهايته المنطقية، حيث قال قادتها «كفى» للتبعية للغرب، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير أحداث جورجيا، أما سببها الرئيسي فكان سياسة الإذلال الرعناء التي اتبعتها أميركا تجاه الاتحاد السوفييتي منذ انهياره وتحوله إلى أشلاء، وخنقه عبر نصب صواريخ عابرة للقارات على مرمى حجر من حدوده فضلاً عن محاولة النفاذ إلى مجاله الحيوي!!

ثم إن جورج بوش الابن يترك كرسي الحكم وقد استقرت أسعار النفط فوق المئة دولار، مما له أثر مدمر على رفاهية الطبقة المتوسط الأميركية التي بالنسبة لها استخدام السيارة الخاصة من ضرورات الحياة منذ أكثر من نصف قرن.

والأخطر أن يترك منصبه وقد انهارت أسواق المال الأميركية لتسحب معها أسواق المال في كل أنحاء العالم ولتفشل جوهر السياسة الاقتصادية الليبرالية التي يتبناها هو شخصياً مع حزبه الجمهوري والقائلة بكف يد الدولة في التدخل في الشأن الاقتصادي، لينتهي به المطاف ليكون هو ذاته أقوى المنادين بإنقاذ أسواق المال من مال الدولة الذي هو مال عام!!

وعاصفة أسواق المال هذه أعادت إلى الأذهان بأن النظام الرأسمالي لم يتخلص من أزماته، كما تم الترويج له بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وضمور فكره الاشتراكي على الصعيد العالمي، بحيث ظهرت لنا نظريات كتلك التي طرحها فوكويوما تقول بأن «نهاية التاريخ» قد حلت، بمعنى أن الليبرالية كنظام اقتصادي سياسي قد انتصرت وإلى الأبد!!

ومن الطريف أن يتشمت هوغو شافيز بالإدارة الأميركية ويلقى عليها محاضرة حول مساوئ الرأسمالية وحلوله الاشتراكية للخروج من أزمتها المالية!! وشافيز ليس الوحيد في «حديقة الولايات المتحدة الخلفية» إذ إن التحول إلى اليسار بواسطة صناديق الاقتراع أصبحت السمة البارزة للعملية السياسية في تلك المنطقة.

ويترك جورج بوش الابن مكتبه البيضاوي في واشنطن وقد غدت الصين قوة اقتصادية لا تضاهى، تنمو بقوة وبوتيرة سريعة دون أن تتسخ أقدامها بالأوحال هنا وهناك، وقد توجت الصين قوتها بنزولها المظفر على القمر لتدخل في عصر المنافسة على ارتياد الفضاء بعد أن ضمنت النجاح الباهر على الأرض.

هذا هو المشهد الذي سيتركه بوش الابن وهو يرحل عن البيت الأبيض، فيا لمرارة حصاد ثمانية أعوام من حكمه!!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com