المناظرة الأولى بين المرشحين الجمهوري جون ماكين برمز «الفيل»، والديمقراطي باراك أوباما برمز «الحمار»، برغم أنها لم تكن حاسمة بقدر كاف لترجيح صلاحية أحد المرشحين، إلا أنها كانت كاشفة بقدر كاف لرصد مستقبل السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد بوش، تجاه القضايا الأميركية الداخلية وأبرزها التراجع الاقتصادي والسياسي والعسكري.

وتجاه القضايا الخارجية وأهمها الورطة الأميركية في العراق والتحديات الأمنية للوجود الأميركي في أفغانستان ومن باكستان، والتحدي النووي الإيراني،والصعود السياسي والاقتصادي والعسكري الروسي خصوصا بعد حرب القوقاز.

وبالرغم من شعار «التغيير» الذي رفعه أوباما، ومن محاولات ماكين الذي يلوح «بالقوة» ليبدو مختلفا عن سياسات بوش التي أوقعت أميركا في كل تلك الأزمات، فلقد بدا من تصريحاتهم قبل المناظرة مع الاختلاف النسبي بينهما، مثلما تأكد لنا بعد المناظرة، أن التغيير الجذري للصورة الأميركية داخليا وخارجيا لا يبدو ممكنا أو قريبا فيما لو فاز أوباما الحاصل على 51% في استطلاع الرأي، وأن العقلية والأمية والغطرسة التي وجهت سياسة بوش التي أفلست داخليا وعالميا ستستمر بدرجة أو بأخرى، لو فاز ماكين الحاصل على 38% فقط لأن الواقع لن يتغير.

وبالرغم من أن أوباما يبدو «محظوظا» في حملته الانتخابية بسبب الهدايا الكبيرة والكثيرة التي قدمها له بوش والتي تمثلت في سلسلة المغامرات العسكرية الفاشلة وسلسلة الأزمات المالية الفاشلة التي أودت بالاقتصاد الأميركي إلى المجهول، والسياسة الاجتماعية إلى حملت الأعباء على الطبقة الوسطى لصالح الأغنياء والشركات، وقلصت الحريات الخاصة والعامة، فضاعفت من رغبة غالبية الرأي العام الأميركي في التغيير، تغيير السياسات وتغير الوجوه بما يصب في خانة المرشح الديمقراطي لا الجمهوري.

ومع «سوء الحظ» الذي لازم ماكين حتى مع بدء حملته الانتخابية بسب البلايا والأزمات التي سيورثها بوش الذي تدنت شعبيته إلى أدنى المستويات لأي مرشح جمهوري مما يصرف كثيرا من الناخبين عن التصويت لحزبه.

بالإضافة إلى سوء الحظ الذي صاحبه بينما كان يستعد لإعلان ترشيحه الرسمي في المؤتمر العام للحزب الجمهوري، حينما فاجأه الإعصار الطبيعي «جوستاف» ليفسد على الحزب جلسته الافتتاحية، ويمنع كبار قيادات الحزب من الحضور وفي مقدمتهم بوش وتشيني، إذا بسوء الحظ يلاحقه أخيرا بالإعصار المالي «ليمان» بينما كان يستعد للمناظرة مع أوباما!

فإن سوء الحظ بات من نصيب كلا المرشحين، فكل منهما بات عليه أن يرث عن الإدارة الفاشلة الراحلة تركة ثقيلة من الكوارث والمشاكل والأزمات التي لا يبدو ممكنا احتواء آثارها العميقة في سنوات قليلة، فيما لو فاز بالرئاسة، لا في الولاية الأولى ولا حتى في الثانية.. إن نجح الفائز منهما في النجاح لولاية ثانية، بعد أن تراجعت أميركا سنوات كثيرة عما كانت عليه من قوة وازدهار في نهاية عهد كلينتون، وتحول الحلم الأميركي إلى كابوس!

وبينما اختلفا في الفلسفة والعقلية واحدة تعيش وهم القوة والأخرى تميل نحو السياسة، اشتركا بدرجات مختلفة في عناوين مختلفة، بينما الخلاف الأبرز حول العراق، بدا في التكتيك وليس في الاستراتيجية، بين الحلول السياسية والعسكرية للورطات الأميركية.. لكن «الحمار» في الحوار بدا أذكي من «الفيل»!

mamdoh77t@hotmail.com