من جديد، تصدر التحذيرات بأن هبوط منسوب العنف، مؤخراً، في العراق لا يضمن عدم عودته، وبالتالي لا يكفل وصول البلد إلى برّ الأمان. تنبيه صادر عن شاهد من أهله. عن البنتاغون الذي أعرب عن قلقه من احتمالات الانتكاس الأمني، بالرغم من التحسّن الذي طرأ؛ وبالتالي استئناف الصراع لدورته الدموية السابقة؛ بين الأطراف العراقية المتنازعة.
أهمية التحذير أنه ينطوي على تسليم ضمني، بل على تأكيد، بأن مفتاح الخروج من الدوامة القاتلة في العراق، يكمن في التوافق السياسي على قاعدة مصالحة وطنية شاملة.
من دون ولوج هذا المدخل، تبقى الإنجازات الأمنية هشّة ومهدّدة بالانهيار؛ مهما بلغ شأنها ومداها. مقولة مطروحة من البداية، تردّدت وتكررت في محطات عديدة من مسيرة المحنة العراقية؛ التي تسبب بها الاحتلال وصبّت العصبيات المختلفة الزيت على نارها.
في تقريرها إلى الكونغرس، عن الوضع في العراق خلال الربع الثالث من هذا العام؛ ذكرت وزارة الدفاع الأميركية أن النزيف العراقي خفّ وبصورة ملحوظة عما كان عليه في السابق.
عدد الضحايا تراجع في الآونة الأخيرة بنسبة 77%، بالمقارنة مع كان عليه العام الماضي في مثل هذه الفترة، خاصة في ما يتعلق بعمليات القتل والاغتيال الطائفي. نسبة عالية وتدعو إلى الارتياح، لكن ليس إلى الاطمئنان.
التقرير نفسه يشير إلى أن هذا الإنجاز مهدّد بالتبدّد. تحدّث عن الخشية من سقوط البلد مجدّداً في قبضة العنف الأعمى؛ وبالتالي العودة إلى المربع الأول. في هذا السياق أشار إلى تنامي التوتر بين الأطراف المعروفة، داخل وخارج الحكومة. من الأسباب، تزايد الارتياب والشكوك المتبادلة، خاصة في ما يتعلق بدمج قوات الصحوة. كذلك المزاحمة على النفوذ، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في مطلع العام القادم.
الانطباع العام أن ثمة سباقاً محموماً يجري على الأرض؛ بين الهدوء الأمني الذي تحقق؛ وبين ما يحصل على الأرض من حراك مشحون بالتوتر وقابل للانفجار.
ظواهر أخرى تعزّز مثل هذه المخاوف، بدأت تطفو على السطح. منها السماح للأطباء بحمل السلاح، دفاعاً عن النفس. أيضاً منها اللجوء الملحوظ لاستخدام الأطفال المتسولين ـ بين 10 و15 سنة ـ والنساء؛ في عمليات التفجير. وكأن في الجو موجة آتية من العنف.
الرئيس بوش ـ ومعه فريق المحافظين ومنهم المرشح الرئاسي جون ماكين ـ هلّل كثيراً للتحسّن الأمني الذي تحقق، اعتبره انجازاً يسجّل له. نسي، بل تناسى أن حربه كانت من البداية كارثة على العراق، وإلى حدّ بعيد على المنطقة.
لكن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً، وهو بكل حال في طريقه إلى التقاعد. لم يعد من المهم ما الذي يقوله أو يراه حول العراق. المهم هو ما يراه ويفعله العراقيون. تقرير البنتاغون يتوقع ـ وربما يشير مسبقاً إلى ـ عودتهم إلى حلقة العنف. فهل يحققون التوقع أم يستيقظون هذه المرة قبل فوات الأوان فيجلسون حول طاولة الحوار ويلملمون شظايا بيتهم؟ لقد جربوا الصراع العنفي وحصدوا غلّته.. الباقي عليهم أن يجربوا الخيار السياسي.
