يحتل شهر رمضان مكانة خاصة عند الشعوب العربية والإسلامية، وطقوس الاحتفال به لا تقتصر على المسلمين فحسب وإنما هي بدت شاملة في إجراءاتها واحتفاليتها كل القاطنين في هذه المنطقة من العالم.

ولم يعد هذا الشهر كما كان تغلب عليه روحانيته الواضحة وإنما بدا وبفعل آليات السوق وقوى العولمة مُسلعن في بعض مظاهره وإن كانت طقوسية. ويبدو ذلك واضحا في البرامج الدينية التي تبث من خلال كل الفضائيات العربية في المنطقة.

تنتاب المجتمعات العربية والإسلامية حالات من هستيريا الشراء التي تشترك فيها كل الفئات والطبقات والجماعات، ويتساوى فيها النساء مع الرجال.وتغذي الحالة العامة والمناسبة نهم الشراء والصرف عند القطاع الأغلب من السكان.

فرؤية الناس تتدافع صوب المحلات التجارية، والحديث اليومي بين النساء كما الرجال عن الاستعداد لهذه المناسبة، وتبادل وصفات الطبخ بين النساء، تُشرك بصورة لا إرادية أو لا شعورية من يرغب أو من لا يرغب في ذلك. إنها أقرب إلى حالة حمى الأنفلونزا التي تنتقل عدواها وبسرعة فائقة بين الناس مع تغير أحوال الطقس وضعف قدرة الأبدان على التكيف السريع مع البيئة الخارجية.

كما أن البعض الآخر قد يخضع هنا لحالة من الضغط الخارجي أو التوتر الداخلي الذي لا يهدأ عنده إلا بممارسة نشاط الشراء. وقد يكون نصيب الفقراء منهم بقدر نصيب الأغنياء. ورغم إنه جزء من الحمى الاستهلاكية تتجسد في نشاط المرأة الشرائي خلال هذه المناسبات، إلا أنه سلوك لا يخص الشاري وحده، أي المرأة، وإنما يخص إطاره الأسري المباشر ولربما فضاءه الاجتماعي الأوسع.

فالمناسبة ذاتها ومتطلبات مواجهتها، بالإضافة إلى شمولها للمجتمع ككل، تضخم من حاجات ومتطلبات الأفراد، التي في بعضها متطلبات واقعية وفي بعضها الآخر وهمية أو غير واقعية، وتجعل من فعل الشراء عملا طقوسيا موسميا، لا يمكن الإفلات منه أو تفادي تبعاته الاجتماعية والمالية.

وهو فعل يبدو وقع تأثيره أكبر لدى الفئات الأقل دخلا منها للفئات الأكثر دخلا، وشهر رمضان هذا العام قد تناسب مع موجة من الغلاء في أسعار المواد الغذائية قاربت في بعضها الضعف أو ما يزيد. وتواجه البعض هذه المناسبات في الغالب بسيل من القروض المؤقتة أو السلفيات ذات التسديد البعيد. وتستعد الأسر لشهر رمضان في الغالب بقدر كبير من المشتريات، تشتمل على ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه.

وفي كثير من الأحيان تفوق هذه المشتريات حاجة الفرد أو الأسرة لهذا الشهر. وتبدو الأسواق وتحديدا محلات بيع الأغذية و«السوبرماركتات» و«البقالات» وكأن هذه المجتمعات مقدمة على حرب ضروس سيطول أمدها، أو أن الأسواق مقبلة على شحة كبيرة في المعروض من بضائعها، لذا ليس من سبيل لهؤلاء غير التخزين.

ومن ناحية أخرى فإن محلات بيع الأغذية تستقبل هذا الشهر بسيل من الإعلانات وحملات الترويج على بضائعها القديمة والجديدة أو على تقليعات من الوجبات والأغذية والمكسرات والأطباق وأواني الطبخ... وغيرها. وفي الغالب ما يتم التخلي عن أواني العام الماضي لصالح أواني العام الجديدة، فهي إما أن يتم «التصدق» بها لصالح بعض الأسر الفقيرة أو يتم رميها أو «ركنها» لوقت الحاجة. فالأسر كما هي عادتها كل عام، ترغب في أن تستقبل هذا الشهر بأطباق وأواني جديدة، و«أكلات» و«وجبات» شهية ومتنوعة!!.

ويختتم كرنفال مشتريات شهر رمضان بقائمة جديدة من المشتريات والتي تقتصر عند البعض بملابس العيد في يومه الأول، إلا أنها عند البعض الآخر تمتد لأيام العيد كلها. فهناك ما يرتدى لصباح العيد وآخر لمسائه، وهناك ما يرتدى ليومه الأول وأخرى لأيامة التالية. ويتيح تنوع السلع والخدمات في أن تضفي على صاحبها شعورا بالتفرد عن الآخرين، سواء أكان ذلك من حيث سعر الملابس أو ألوانها التي تعطي لابسها من أنها متسقة مع ذوقه الشخصي.

ويمتد أمر الاحتفال بالعيد عند بعض الأسر إلى فكرة أنك حتى تستقبل العيد فإن ذلك قد يتطلب منك أن ترى كل شيء في البيت جديدا، وهو الأمر الذي يعني تغيير بعض أثاث المنزل وأعادة صباغته «بالموضات» والألوان الجديدة. ولا ننسى عيدية العيد التي ترتفع قيمتها أو تقل وفقا لمستوى دخل الفرد وأسرته.

وقد تمتد فرحة الاحتفال بالعيد عند البعض لخارج الوطن فقبل انقضاء شهر رمضان أو قبل اقتراب العيد الكبير فإن الأسرة تبدأ بالبحث عن مكان تقضي فيه عطلة العيد، التي أصبحت من طبائع الاستهلاك عندنا.

ويتم ترتيب السفر وفق قدرات الفرد أو الأسرة المالية، فالقادرون عليه قد تبتعد بهم المسافات إلى باريس أو لندن أو فينا أو جنيف أو قد تكون بيروت أو القاهرة محطتهم القريبة، أما أفراد الفئات المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى الجديدة فإنهم قد يكتفون بالسفر للدول الخليجية المجاورة بالطائرة أو بالسيارة للبحرين أو الخبر أو الدمام. فالسفر قد بات يمثل أحد طبائعنا الاستهلاكية التي لا نهدأ حتى نقوم به، وإن تطلب الأمر قرضا جديدا بالإضافة لقائمة قروض البناء والسيارة وغيرها.

وخلاصة القول إن روحية المناسبة بدأت تتضاءل مع عملية السلعنة التي خضعت لها بفعل تأثير قوى وآليات السوق وقوى العولمة الجديدة التي بات تشترك فيها جهات عدة ومحلات وفضائيات تجارية ومحطات تلفزيونية محلية وأخرى مُعولَمة، كما اشتركت فيها كذلك الفضائيات الدينية التي بات منطقها وفتاويها المتطايرة والتي كثرت في هذا الشهر الفضيل تدلل على فعل عولمتها وإن أدعت خلاف ذلك.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com