تعيش أميركا هذه الأيام مرحلة المناظرات السياسية بين المرشحين لكرسي الرئاسة الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري جون ماكين. المناظرات السياسية هي آخر مرحلة من مسلسل طويل من الحملات الانتخابية والتسويق السياسي والعلاقات العامة.
فالانتخابات الرئاسية في أميركا أصبحت صناعة تعتمد على صناعة صورة الرئيس القادم للبيت الأبيض وأصبحت عملية تعتمد بالدرجة الأولى على قدرة كل مرشح لتسويق نفسه مستعملا كل فنون الاتصال والإقناع وصناعة الصورة للوصول إلى الناخبين، خاصة منهم أولئك الذين لم يحددوا بعد على من يصوتون.
فحسب الإحصائيات، ينفق كل مرشح للبيت الأبيض عشرات الملايين من الدولارات يوميا على التسويق والإعلام والعلاقات العامة لكسب أكبر قدر ممكن من الأصوات.
كل أربع سنوات تتكرر المناظرات السياسية وتتكرر الحملات الانتخابية ويحاول كل مرشح للرئاسة الأميركية أن يثبت أنه هو الأفضل وهو الأجدر بقيادة أميركا.
للتسويق السياسي تاريخ كبير في الانتخابات الأميركية حيث استعمال ورقة العلاقات العامة وفنون الإعلام والاتصال الإقناعي للتأثير في الرأي العام وكسب أكبر عدد ممكن من الموالين للفوز بثقة الناخبين.
ويقال في كواليس وأوساط الانتخابات الرئاسية الأميركية إن المرشح الذي يعتني بمظهره وهندامه وطريقة كلامه وبلاغته وفصاحته والقدرة على فن الحديث والإلقاء والرد على الأسئلة واستفزازات الصحافيين والفضوليين والقدرة على مواجهة الكاميرا والجماهير وكذلك القدرة على الإقناع واستعمال الحجج والبراهين لتفنيد رأي الخصم وتدعيم وتثبيت رأيه، هو الذي يكسب أصوات الناخبين المترددين والذين لم يقرروا بعد على من يصوتون، وهو الذي يفوز بالانتخابات في نهاية المطاف.
فهناك رؤساء لديهم كاريزما وشخصية وحضور أمام الكاميرا، حيث أصبح التعامل مع الكاميرا ووسائل الإعلام جزءاً من عملهم اليومي.
فتجدهم يتدربون ويتمرسون على التعامل مع الكاميرا والصحافيين فتلاحظ لديهم سرعة التفكير والبديهة والرد والتأقلم مع كل مستجد. وهناك بالمقابل مرشحون يجدون صعوبات كثيرة في التعبير عن آرائهم ومواجهة الخصم بثقة والقدرة على الرد والشرح والتفسير والتحليل وسرعة البديهة وتجدهم يترددون وبعض الأحيان يناقضون أنفسهم ولا يتذكرون ما قالوه من قبل.
يقال إن الرئيس نيكسون خسر الانتخابات أمام كنيدي في مناظرة تلفزيونية ظهر فيها مصفر الوجه، كئيبا ومريضا بسبب نزلة برد حادة، وحسب الخبراء كان من الأفضل له أن ينسحب من المواجهة بدلا من المشاركة أمام الرئيس كنيدي بذكائه الخارق وقدرته الفائقة في التعامل مع الكاميرا.
من جهة أخرى نلاحظ أن التسويق السياسي والاهتمام بالجانب الاتصالي والعلاقات العامة عند المرشح للفوز بكرسي البيت الأبيض هو من أولويات خوض معركة الفوز بكرسي الرئاسة. والذي لا يتقن فن تسويق نفسه وتسويق أفكاره وآرائه وبرامجه وخططه للرأي العام فإنه يتعذر عليه الحصول على الولاء في صندوق الاقتراع.
فن الحوار والحديث وفن الإقناع يعتمد بالدرجة الأولى على الصراحة ووضوح الرؤية والقدرة على استعمال الحجج والبراهين والأدلة والأرقام لإقناع المترددين والذين مازالت الصورة عندهم غير واضحة والذين ما زالوا لم يحددوا موقفهم بعد.
فن الحوار والإقناع لا يقبل القسمة على اثنين ولا يؤمن بأنصاف الحلول. المرشح أوباما يرى أن بوش والجمهوريين فشلوا في الحرب في العراق وأفغانستان وفي التعامل مع الإرهاب.
الذي يحصل كنتيجة للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط هو أن التواجد الأميركي في العراق وأفغانستان يزيد من مشاكل وهموم أميركا والمنطقة يوما بعد يوم وأن التخلص من صدام حسين لم يحسّن في ظروف العراق والعراقيين وأنه لم يقض على الإرهاب وأنه لم يطّهر العالم من النظرة السلبية إزاء أميركا.
كما أن تعامل الجمهوريين مع الإسلام والمسلمين تعامل خاطئ وسطحي ولا يقوم على إستراتيجية ورؤية واضحة، حيث ان هناك تجاهلا للعديد من المعطيات والعوامل الهامة والرئيسية.
المناظرة الأولى التي جمعت المرشحين قبل أيام كشفت على أن الإطار العام لكل من ماكين وأوباما هو إطار واحد وأن الفرق بين الحزبين في مسائل مصيرية كالتعامل مع القضية الفلسطينية والتعامل مع إسرائيل هو نفسه لا يتغير ولا تباين بين الحزبين.
الأمر الاخر هو أن السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط تبقى معالمها نفسها لا تتغير. فالفرق بين المرشحين لكرسي الرئاسة لا يكمن في الايدولوجيا ولا في الثقافة بقدر ما هو في نمط التفكير. فأوباما على عكس ماكين ظهر بتفكير علمي منطقي وعملي على عكس ماكين الذي اعتمد كالمعتاد على العواطف والمشاعر والعقيدة والأخلاق والغطرسة الأميركية.
يبقى أن نقول انه رغم الأكاذيب ورغم المراوغات والأخطاء الفادحة التي ارتكبت في العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب يبقى الجمهوريون يحظون بنسبة لا يستهان بها من أصوات الأميركيين وهذا يعني أن جزءا من الشارع الأميركي اليوم ما زال يؤمن بالروحية والأخلاقية والعقيدة وليس بالمنطق وبراغماتية العصر.
ما يعاب على أوباما، والجمهوريون يتخبطون في مستنقع العراق وأفغانستان ويمرون بظروف صعبة هو عدم استغلاله الجيد لإخفاقات بوش وأكاذيبه، من جهة أخرى لم يقدم أوباما لحد الساعة اقتراحات عملية وناجحة لإخراج أميركا من مستنقع العراق وأفغانستان ومكافحة الإرهاب، ولم يضع خطة واضحة المعالم تتعافى بموجبها أميركا من سمعتها السيئة عبر العالم ومن كراهية الشعوب للعم «سام».
أوباما لم يعرف كيف يستغل جيدا أخطاء وهفوات الجمهوريين فيما يتعلق بالأمن القومي وبضمان أمن المصانع والمرافق الحساسة داخل التراب الأميركي، أوباما لم يعرف كيف يستغل فضيحة «هاليبرتن» و«غوانتنامو» وتعذيب سجناء أبو غريب وغيرها من الفضائح التي من المفروض أن تهز ثقة الشارع الأميركي بالجمهوريين.
إذا استمر الوضع في العراق كما هو فهذا يعني المزيد من الخسائر المادية والبشرية للعراقيين والمزيد من الأموات في صفوف شباب الجيش الأميركي. هذا الفشل يؤدي إلى تقوية صفوف القاعدة وزيادة كراهية العالم لأميركا وزيادة اتساع الفجوة بين أميركا وحلفائها.
إلى حد الآن ورغم التفوق الطفيف الذي حققه أوباما في المناظرة الأولى إلا أن الموضوع يتطلب صرامة أكثر وموقفا واضحا وشجاعا. براك أوباما، المرشح الديمقراطي لكرسي الرئاسة بحاجة إلى برنامج عمل وإستراتيجية مشفوعة بمنهجية واضحة المعالم، خاصة وأن حكم جورج بوش الأب وجورج بوش الابن تميز بأخطاء وهفوات كبيرة ونكبات وخسائر لم تعرفها أميركا على مر التاريخ.
فإلى حد الآن لم يستطع المرشحان إقناع المترددين بخطتهما وقدرتهما على إدارة شؤون أميركا في الظروف الصعبة التي تعيشها أميركا والعالم. وحتى ينجح التسويق السياسي لا بد من وجود برنامج وخطط ومشاريع وقناعات يُروّج لها.
كلية الاتصال، جامعة الشارقة