قدمت المناظرة التليفزيونية الأولى بين مرشحي الرئاسة بعضا من لمحات رؤية كل منهما للأزمات الثلاث العميقة التي تعاني منها أميركا. وكانت المفارقة أن ماكين الذي ظل طوال المناظرة يتهم خصمه بأنه «لا يفهم» هذا أو ذاك هو الأكثر بعدا عن واقع تلك الأزمات الثلاث والعلاقة الوثيقة بينها.

فالولايات المتحدة تعانى أولا أزمة اقتصادية تمثل الأزمة المالية الحالية إحدى تجلياتها. فسياسة الجمهوريين، الذين سيطروا على الكونغرس منذ 1994 ثم الرئاسة والكونغرس معا منذ 2001 وحتى 2006، كانت خليطا من تخفيف القيود على سوق المال إلى حدها الأدنى وتخفيض الضرائب على الشركات والشرائح الأكثر ثراء فى المجتمع، فضلا عن الامتناع عن ضخ الأموال للاقتصاد الحقيقي والبنية التحتية.

وهو الأمر الذي أدى إلى سلسلة من الأزمات التي بدأت تكشف عن نفسها تباعا. وتعاني أميركا ثانيا أزمة عميقة في السياسة الخارجية، ففضلا عن تورطها في احتلال بلدين بحجم العراق وأفغانستان، فقد خسرت الكثير من رصيدها وهيبتها حول العالم.

وتعاني أميركا أزمة ثالثة تتعلق بالديمقراطية ذاتها. فقد شهد عهد بوش انهيارا واضحا للرقابة التشريعية والقضائية، وتوسعت المؤسسة التنفيذية في صلاحياتها على حساب المؤسستين. كما تعرضت الحريات المدنية لانحسار غير مسبوق بشهادة المنظمات الحقوقية الأميركية نفسها.

وقد عكس أداء المرشحين في المناظرة مواقفهما من تلك الأزمات. فبالنسبة للأزمة الاقتصادية، كان واضحا أن أوباما يقدم رؤية أفضل من ماكين. فهو أكد على ضرورة وضع قواعد لسوق المال وفرض رقابة عل الشركات والبنوك الكبرى واستحالة الاستمرار في تخفيض الضرائب على الأثرياء،.

ودعا لضخ أموال للبنية التحتية للاقتصاد الأميركي. أما ماكين فقد اعتبر أن حل الأزمة المالية يأتي عبر تجميد الإنفاق الحكومي باستثناء الإنفاق الدفاعي وأصر على الاستمرار في الخفض الضريبي للأثرياء، الأمر الذي يمثل الاستمرار في سياسات بوش نفسها التي خلقت الأزمة.

لكن مشكلة أوباما هي أنه يتخذ مواقف تقليدية في ظروف بالغة الاستثنائية. فقد وافق أوباما مبدئيا على برنامج إدارة بوش للتعامل مع الأزمة المالية ولم يقدم للناخب خريطة أمينة لنوع التضحيات التي سيكون عليه تحملها..

ولا يقل أهمية عن ذلك أن كلا المرشحين تجاهل العلاقة الوثيقة بين الأزمة الاقتصادية والسياسة الخارجية. صحيح أن أوباما تحدث عن حجم الإنفاق المذهل في العراق، إلا أنه عاد ليؤكد أنه سيسحب القوات الأمريكية من هناك ليرسلها إلى أفغانستان لا إلى ثكناتها في أمريكا.

بعبارة أخرى، لم يتعامل أي من المرشحين بجدية مع العلاقة بين الأزمة الاقتصادية وتبعات الطابع الإمبراطوري للسياسة الخارجية.

أما فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية نفسها، فلم تختلف رؤية ماكين عن رؤية بوش للعالم والتعامل معه في حين حرص أوباما على التأكيد إدراكه لأهمية أن تستعيد بلاده احترام العالم..

ولكن مرة أخرى، اتسمت مواقف أوباما بالتقليدية. فهو لم يتعرض بالنقد مطلقا للأسس التي تقوم عليها سياسة بوش الخارجية. فهو مثلا لا يجد غضاضة في العمل العسكري الأحادي، ولم يقل كلمة واحدة تناهض فكرة الحروب الاستباقية بل أنه كان يستخدم تعبيرات الكاوبوي نفسها من نوع «اقتلاع» هؤلاء و«قتل وقصف» أولئك، الأمر الذي يجعل خلافه مع ماكين خلافا حول الدولة الجديدة التي يتم قصفها لا حول مشروعية القصف أصلا.

أما أزمة الديمقراطية الأميركية، فرغم أنها كانت المسكوت عنه في تلك المناظرة ولم يأت ذكرها لا من جانب المحاور ولا المرشحين، إلا أن أداء أوباما وماكين كان يحمل مؤشرات مهمة بشأنها.

كان ماكين قد أعلن قبل المناظرة بأيام أنه علق حملته الانتخابية وينوي إلغاء المناظرة للتركيز على الأزمة المالية. وظل يغير موقفه من المشاركة على مدار الساعة. فمرة تقول حملته أنه لن يحضر إلا حين يتوصل الكونغرس لاتفاق ومرة تقول أنه سيحضر إذا ما توصل للكونجرس لمشروع حتى دون اتفاق عليه. وظل الأمر على هذا الحال إلى أن تم الإعلان قبل ساعات قليلة من إجراء المناظرة عن قرار المشاركة فيها.

ولهذا الموقف دلالته المهمة بالنسبة لأزمة الديمقراطية. ففي انتخابات سوف تحدد من يتولى بعد شهور قليلة إدارة الأزمة المالية، فإن المناظرة وتوقيتها كانت فرصة ذهبية للناخب للوقوف على كيفية تصرف كل مرشح لحظة الأزمة عموما وفي تلك الأزمة كنموذج.

فإذا بجون ماكين على استعداد لاتخاذ قرار منفرد يعلن «حالة طوارئ»، يتم فيها تعليق «الديمقراطية» طالما تواجه البلاد أزمة كبرى!

ثم حدثت المناظرة نفسها فكان تعامل ماكين مع منافسه يكذب ما يقوله لسانه حول قدرته على التعاون مع الخصوم. فماكين الذي كان يقف على خشبة المسرح إلى جانب زميل له يخدم مثله في مجلس الشيوخ لم يلتفت نحو أوباما ولم ينظر إليه ولو مرة واحدة.

بل لم يكف عن استخدام تعبيرات بالغة الغطرسة من نوع أنه «لا يفهم» و«لا يدرك» في استهانة واضحة بالمرشح الديمقراطي. فكيف لزعيم لا يمكنه النظر إلى خصمه أن يتمكن من التفاوض ناهيك عن التعاون معه إذا ما اقتضت ذلك مصلحة البلاد؟!.

الطريف في الأمر أن تلك ماكين في استهانته بالعملية الديمقراطية وغطرسته إزاء خصمه كان يقدم في الواقع الدليل الأهم على أن توليه الرئاسة سيكون بمثابة استمرار حقيقي لحكم بوش.

ومن هنا وبغض النظر عن النقاط التي أحرزها أي المرشحين إزاء خصمه. فالمؤكد أن الإنجاز الحقيقي كان إجراء المناظرة أصلا. فعافية الديمقراطية الأميركية هي المفتاح الوحيد لخروج أميركا من أزمتها.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com