لا يختلف اثنان على أن المرحلة الراهنة غير مسبوقة بهزّاتها المدمرة. لا بالكمية ولا بالنوعية. موسم الاضطرابات المتنوعة والمتجولة، ما كان مرة بهذه الغزارة. منتجاته متزامنة وكلها من العيار الثقيل، بل المخيف. أخطر ما فيها أنها مفتوحة على المجهول.
الساحة الدولية تعصف بها أزمة مالية عاتية، انفجرت في الولايات المتحدة. تداعياتها تتمدّد، بدرجة أو بأخرى، في كل الاتجاهات. والحبل لا يزال على الجرّار. يضاعف من آثارها السلبية، أنها تأتي في لحظة توتر دولي جديد؛ مرشح للمزيد من التصعيد والاستقطاب.
حسابات الصراع السياسي المحتدم الآن، تطغى على اعتبارات وأهمية التعاون المرغوب والمطلوب. معضلات هذه اللحظة التاريخية، المثقلة بالصواعق وببراميل البارود هي من الصنف الذي تتعذر مواجهته بفعالية؛ من دون تعاون وتضافر دولي واسع.
على الأقل من جانب مراكز الثقل في المجتمع الدولي. ليس فقط لأن هذه التحديات بوزن الجبال وغير مألوفة. بل أيضاً وأساساً لأنها تستهدف الساحة الدولية برمّتها وتجعل منها مسرحاً لحركتها ولمفاعيلها السلبية.
سواء كان الإعصار المالي، المتدحرج ككرة الثلج، أم كان الإرهاب المنفلت بزخم متجدّد، في الآونة الأخيرة. وقد كانت حصة منطقتنا منه وفيرة. بل هي تشي بأنها مرشحة للمزيد من العنف الدموي الأعمى. في أقل من شهر توالت حلقات التفجير، بصورة كاسرة وأكثر شراسة. بل هي فتحت جبهات جديدة، بقيت حتى الأمس محصّنة، ضد الاقتحامات الإرهابية.
من صنعاء، حيث كانت الضربة موجعة؛ إلى إسلام آباد، التي بلغت فيها حصيلة عملية التفجير حجم المجزرة. ثم قبل أيام انتقل مسرح الدم المتجوّل إلى دمشق، ليحصد عشرات القتلى والجرحى؛ في أخطر اختراق إرهابي للأمن السوري؛ المعروف بمناعته وقدراته الذاتية على سدّ مداخله أمام العنف.
وقبل أن تمضي سوى أيام قليلة، حطّ رحال الموت المفخخ في لبنان، مجدّداً؛ في استهداف مكرّر للجيش؛ ذهب ضحيته عدد من أفراده ومن المواطنين. يزيد من خطورة هذه العملية، وقوعها في لحظة اجتياز الوضع اللبناني، لممرّ دقيق وسريع العطب؛ بين حالة المصالحات - الحوار الجارية؛ وبين بقايا الاهتزازات الأمنية وأجوائها التي لم تغادر الساحة بعد. ليس سراً أن المنطقة مكشوفة، إلى حدّ بعيد، ومفتوحة على احتمالات شتى.
ملفاتها الساخنة والمشتعلة، معلّقة؛ في أحسن أحوالها. أوضاعها تحتمل أي سيناريو. كما ليس سراً أن التضامن العربي، في حالة ضمور. يشكو من فقر دم حادّ. التحديات المطروحة اليوم، الإقليمي منها والدولي، لا يكفيها تضامن فقط؛ حتى ولو كان بكامل عافيته. يلزمها حد أعلى من التماسك العربي.
فالزمن هو زمن هزاّت وزلازل، غير معروفة بتزامنها وبديناميتها التغييرية. لحفظ رأسها، عليها الاستقواء بحالها. على الأقل لما بعد مرور الأعاصير. ففي هذه التجارب القاسية، ما حكّ جلدك غير ظفرك.
