قبل أيام قرأت كتاب «العرب وجهة نظر يابانية» للكاتب «نوبواكي نوتوهارا وهو أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة طوكيو. وقد كتبه باللغة العربية ليقول للقارئ العربي رأيه في بعض قضاياه كما يراها في الخارج، اذكر في هذا المقال بعضاً منها وأتمنى من القراء العرب قراءة الكتاب، على الأقل لنعرف ما يكتب عنا، وكيف ينظر إلينا في الخارج علّنا نتعلم ونستفيد!!
في البداية يقول الكاتب انه زار عدداً من الدول العربية والتقى بمجموعة من الأدباء والكتاب العرب، وله صداقات في كل من مصر وفلسطين ولبنان وسوريا والمغرب العربي، وزار أيضاً الريف المصري وتعرف على الفلاحين هناك، كما زار بادية الشام وتعرف على العادات والتقاليد البدوية.
ويعبر في هذا الكتاب عن رأيه ويبدي وجهة نظره تجاه العرب وقضاياهم بعد أن قضى أربعين عاماً في السفر إلى بعض الدول العربية وأريافها وبواديها من أجل العلم والمعرفة.
ويقول ان أهم ما اكتشفه في معظم الدول التي زارها هو غياب العدالة الاجتماعية، وهذا يعني في رأيه غياب الحرية والحقوق الاجتماعية ويستغرب في استعمال كلمة الديمقراطية كثيراً في المجتمعات العربية مع أن الواقع لا يسمح باستعمالها لأن ما يجري هو عكسها، ويقارن في الكتاب انطباعاته عن المجتمع العربي بالمجتمع الياباني.
ويذكر في جزء آخر أن الحرية هي باب الإنتاج والتواصل والحياة الكريمة، بدل القمع الداء العضال المقيم في الوطن العربي، والذي إن لم يتم التخلص منه ستفقد حياتنا كبشر الكثير من معانيها.
ويكتب على لسان أحد الكتاب العربي المعروفين أن الفرق بين المواطن الياباني والمواطن العربي، هو أن الأول يشعر بالمسؤولية تجاه وطنه لأن له دوراً في كل شيء في السراء والضراء، والثاني فلا مبالاته نتيجة القمع الذي يعيشه وعدم مشاركته الفعلية في شؤون دولته التي تفرض عليه في الضراء فقط.
ويقارن بين أسلوب الحكم في الدول العربية وفي اليابان، ويقول إن اليابانيين إذا لم يعجبهم وضع ما، فإنهم يتظاهرون ويعبرون عن رأيهم أمام مقر الحكومة بمكبرات الصوت وينادون بشعارات ضد القرار الحكومي الذي لم يرضوا عنه، ولو بعدد قليل. أما في بعض الدول العربية فحتى المرور أمام مقر الحكومة صعب، ويخاف المواطن العربي حتى من استعمال بعض الكلمات، وإن ذكرت أمامه يهرب!!
فالمواطن في الدول العربية تقاس كرامته بمقدار ولائه وطاعته للحاكم والحكومة، فالحاكم في الدول العربية يحكم مدى الحياة مهما كان نوع الحكم في تلك الدولة، وفي الدول العربية لا توجد الرقابة التي تحقق العدالة الاجتماعية، ويتساءل لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم وكم يحتاجون من الوقت لتصحيح أخطائهم؟
ويقول إن اليابانيين جميعهم سواسية أمام القانون، سواء الوزير أو المواطن العادي، ويذكر مثالاً على ذلك أن أقوى وأحب الشخصيات التي شغلت منصب رئيس مجلس الوزراء هو السيد «ناتاكا»، مع ذلك عندما اكتشفت الصحافة مسؤوليته في فضيحة، حوكم كأي مواطن عادي وذهب إلى السجن بالقبقاب الياباني!!
وفي جزء آخر من الكتاب يقول إن أحد أصدقائه في دولة عربية دعاه إلى منزله، وعند وصوله إلى الحي الذي يسكنه وجده مليئاً بالقاذورات والنفايات المختلفة على الأرض والشارع، وكذلك مدخل البناية والدرج كان قذراً، لكنه اندهش عندما دخل شقته فوجدها نظيفة ومرتبة وأنيقة، ولم يصدق ما رآه. ومن هنا فهم أن كل ما هو ملكية عامة في الدول العربية يعامله الناس كأنه عدو.
فالمواطن العربي لا يشعر بالمسؤولية تجاه الممتلكات الحكومية لأنه لا يعتبرها ملكاً له، وفي لا وعيه ينتقم سلبياً من السلطة، فيدمر بانتقامه وطنه ومجتمعه بدلاً من أن يدمر السلطة.
وذكر مثالاً آخر عما يحدث في بعض مطارات الدول العربية وكيف يعامل مسؤولو الأمن المسافرين بشكل فظيع، وبعجرفة وتعالٍ، ويقول إن المواطن العربي يخاف أكثر مما يخاف من رجال الأمن، مع ان هؤلاء وجدوا لحمايته، لكن ما يحدث هناك يختلف عن الواقع، فالمواطن العربي يعتبر رجال الأمن أناساً فوق العادة يستطيعون التصرف في أي شيء وفي أي وقت، ويبادرهم بالاحترام الكاذب والنفاق المبالغ فيه، ويرجع السبب إلى الخوف والقمع وتمتع رجال الأمن بامتيازات اجتماعية لا يستطيع المواطن العادي أن يحلم بها.
ففي اليابان لا يمكنك أن تراقب شخصاً أو حتى هاتفه من دون إذن من المحكمة، أما في الدول العربية فتتم مراقبة الأفراد والبيوت والهواتف وحتى الهواء، بلا إذن محكمة ولا قانون.
وفي جزء آخر يقول إن العالم العربي كغيره من دول العالم ينقسم إلى دول غنية وأخرى فقيرة، مع ذلك لا عون ولا مساعدات من تلك إلى هؤلاء، وعلى سبيل المثال مساعدة اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة 48 وحتى الآن إن لم تقل فإنها لم تزد في أي حال من الأحوال.
ويضيف أن اليابانيين عرفوا عن القضية الفلسطينية عن طريق الإعلام والكتاب الغربيين، وأغلبها لم تكن صحيحة أو محايدة، وكذلك الإسلام عرفوا عنه عن طريق الدراسات التي كُتبت في الغرب، لكن المفكر الياباني إزوتسو توسهيكو قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية للاستفادة منه، ويرجع له الفضل في تعريف اليابانيين بالإسلام والمسلمين بشكل أفضل.
كما لعب الأستاذ والباحث إتاغاكي يوزوق دوراً مهماً في كشف التشويه الذي يتم دائماً للقضية الفلسطينية عبر الإعلام الغربي، مع ان إسرائيل تجتذب بعض الشباب للدراسة في جامعاتها لاستغلال نتائج دراستهم، لكن النتائج تأتي غالباً عكسية حيث درس صحافي ياباني معروف في إسرائيل وعاد مؤيداً للقضية الفلسطينية، لأنه رأى بنفسه التناقض بين ما تقوله وسائل الإعلام الإسرائيلية وبين الواقع.
وفي رأيي هذا يؤكد مدى تقصير العرب عبر سنوات مضت، خاصة المؤسسات الحكومية بالرغم من الإمكانيات المادية المتوافرة لديها وعدم الاجتهاد والعمل على ترجمة الكتب الثقافية الإسلامية والعربية التي تساعد على نقل صورتنا للآخرين بشكل أفضل، بدلاً من أن يأخذوا من الغرب الصورة المشوهة التي يراها عنا، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
حيث نضيع وقتنا وجهدنا بلوم الحكومات الغربية وشعوبها على موقفها من القضية ودعمها للموقف الإسرائيلي الذي استطاع أن يدخل عقول كل الشعوب بإيصاله صوته عبر وسائل الإعلام وخدع العالم وأقنعه بأنه هو صاحب الحق ونحن على باطل، والسبب ضعفنا واتكالنا على الآخرين لإيصال قضايانا إلى العالم، سواء كانت سياسية أو دينية.
خرجت من قراءتي لهذا الكتاب الشيق ونقد الكاتب البناء والواقعي للمجتمع العربي، بأن نظرة العالم إلينا لم ولن تتغير، ففي ما مضى كنا ننفعل تجاهها ونرد بالكلام ثم أصبحنا نتجاهلها ولا نرد لا بالكلام ولا بالفعل، وقد نصبح عديمي الإحساس ميؤوسا منا تجاهها!
مؤخراً أهداني الصديق الأستاذ إبراهيم بوملحة مجموعة من الكتب والدراسات الصادرة عن الجائزة الدولية للقرآن الكريم ومنها دراستان تحت عنوان: 1ـ سنريهم آياتنا في الآفاق .
2ـ ظواهر كونية بين العلم والإيمان أتمنى من مؤسسة الجائزة بالتعاون مع مؤسسات أخرى داخل الدولة ترجمتها إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية على الأقل، لكي يستفيد المسلمون الناطقون بهاتين اللغتين والمثقفون من ديانات أخرى منهما، ولنبين معجزة القرآن الكريم وقوة هذا الدين العظيم.
كاتب اماراتي