بالرغم من أن لغة التخاطب لا تزال مشحونة بالتوتر، إلاّ أن الأجواء الفلسطينية توحي بقرب انطلاقة الحوار الوطني الموعود. فصائل تتحدث عن بدء جولاته، بعد إجازة العيد؛ في الرابع من الشهر القادم. لم يصدر عن الآخرين ما ينفي ذلك، ولو أن هناك تحفظات ما زالت تتردّد. يعزّز التفاؤل أن ذلك رافقته خطوات وتلميحات إيجابية، من هنا ومن هناك، تؤشر إلى شيء من التسليم بأن الظروف باتت ناضجة للجلوس حول طاولة الحوار، في القاهرة، بعد طول انتظار. في غزة جرى الإفراج عن مجموعة من الموقوفين، من «فتح».
وفي الساحة حديث متداول عن مشروع حكومة توافق وطني، يجري طبخه. مسئول في «فتح»،يعلن، خلافاً للسابق، بأن الحركة لا تشترط حصول انتخابات، نيابية ورئاسية، متزامنة؛ في حال تمّ التوصل إلى تشكيل حكومة التوافق هذه.
كما يتردّد بأن النية متجهة لإحالة ورقة التفاهم المصري، عقب اللقاء الموسع للحوار، إلى الجامعة العربية، لعرضه على وزراء الخارجية العرب، لاعتماد الاتفاق. وثمة من يطالب بجعله ملزماً لكافة الأطراف الفلسطينية. ليس بالضرورة أن يصار إلى اعتماد هذه الصيغة أو تلك.
المهم أن تنعقد طاولة الحوار. والأهم أن يتكلل ذلك بطي صفحة الانقسام، والعودة منه إلى رحابة الوعاء الوطني، الذي لا بدّ وأن يتسع للجميع. لتبقى التباينات السياسية على حالها. ليس المطلوب إزالتها. المطلوب التوافق على إدارتها، في الإطار السلمي وتحت السقف الوطني .
ولو بالحدّ الأدنى وبما يضع نهاية لتوسّع الشرخ؛ الذي لم يعد مرّة بالنفع إلاّ على إسرائيل. ولا يتطلب ذلك الكثير. تلزمه مصالحة تحت هذه المظلة، والتزام بالانضباط داخل تخومها. تجربة لبنان الأخيرة، في هذا المجال، يمكن نسخها ونقلها إلى الساحة الفلسطينية.
الهوّة كانت واسعة بين الأطراف اللبنانية المختلفة. وصلت الأمور بينها، إلى حافة الهاوية. كادت نار الفتنة أن تشتعل وتحرق الأخضر واليابس. حلقات المصالحة التي تمّت، بالترافق مع انطلاق الحوار الوطني، أعادت البلد عن حافة الانفجار. على الأقل سحبت صاعق التفجير، ولو في الوقت الحاضر وحتى إشعار آخر.
صحيح أن لبنان لا يزال يتلمس طريقه إلى تثبيت التهدئة - التي نغّصها تفجير طرابلس أمسر ، ولم يخرج بعد من مدار العاصفة. لكن على الأقل خرج من عينها وبدأ عملية التحصين ضدها.
لن يضير بشيء الساحة الفلسطينية الإقتداء بمثل هذه الصيغة. الحصيلة مضمونة، لجهة وقف النزف وإعطاء فسحة يحتاجها الشعب الفلسطيني، لالتقاط أنفاسه وإخراجه من إحباطاته الوطنية. يكفيه العدوان الإسرائيلي اليومي على حياته وممتلكاته، ناهيك بحرياته وكرامته وحقوقه الإنسانية.
ويكفيه، أيضاً، خليط التواطؤ والتجاهل، الدوليين؛ تجاه قضيته. إذا كان غير قادر، في اللحظة الراهنة، على تغيير المعادلات الخارجة عن إرادته وسيطرته؛ فعلى الأقل هو مطالب، بل من واجبه، تغيير أوضاعه الداخلية المعطوبة؛ لاستعادة وحدته الوطنية، التي تشكل خط دفاعه الأول والأخير. فرصة الحوار القريب هي المحك والاختبار، لكافة الأطراف الفلسطينية.
