عيد الفطر أطلّ سعيدا هذا العام على الشعب اللبناني، فالمصالحات الحزبية - الطائفية جاءت كهدايا لتبعث الأمل بأيام هادئة نسبيا قد ينعم بها هذا الشعب المعذب، كما أشاعت حالة من التفاؤل حول احتمال تحقيق اختراق معيّن في طبيعة التواصل بين السياسيين، وتاليا في إحياء وتجديد الحياة الديمقراطية الحقيقية.

لكن لا يختلف اثنان للتأكيد، بأن ما جرى ويجري على كافة الأصعدة يحتاج برغم إيجابياته الكثيرة إلى مزيد من الخطوات الجدية لرأب الصدع. فالجرح الذي تسبب به التشرذم السياسي والطائفي في لبنان ليس هامشيا أبدا أو وليد الصدفة التاريخية، بل نتيجة تراكمات كثيرة أمعنت في قتل الوطن وتوجيه الطعنات إلى جسده.

وبالتالي فإن هذا الوطن بحاجة ماسّة لجرعات قوية من الحلول، القادرة على اختراق خلاياه المريضة وإحيائها، لا إلى مسكّنات مرحلية كما جرت العادة.

بعض الخطوات التي لمسناها مؤخرا تستدعي التقدير والاحترام نظرا للجرأة التي اتسمت بها، لا سيما تلك التي صبّت في محصّلتها النهائية في ترتيب الأولويات السياسية بشكل جيّد، حيث تم إعلاء مشروع بناء الدولة من خلال الدعوة لإحياء مؤسساتها والعمل على تعزيز الحياة الديمقراطية، في حين تراجعت المصالح الحزبية الضيّقة إلى المراتب الأخرى لكن دون أن يتجرأ كثيرون على المس بالمصالح الطائفية، أي عماد النظام اللبناني وأصل مشاكله.

وإذا اعترفنا بالجهود التي يبذلها بعض المسئولين من أجل ردم هوة الخلافات التي تسببت بصراعات دموية حصدت أفضل شباب الوطن ومزّقت ما كان يوصف باللحمة الوطنية، فإن الواجب يفرض علينا أن نُشير باستمرار إلى مكامن الخلل الحقيقي والسعي لإيجاد الحلول الناجعة.

فالوطن لن يتمكن من استيعاب شعبه إذا شعر بعضه أنه مغيّب عنه، ولن يتمكن السياسيون مهما بلغت قوتهم بأن يعيدوا صهر أبناء الوطن في بوتقة واحدة، طالما أن الاعتماد خلال فرض أو طرح الحلول ( المؤقتة أو الدائمة ) سيبقى محصورا في التقاليد والممارسات الطائفية.

هنا تحديدا يكمن جوهر المشكلة التي أحاول أن أشير إليها، فالتمنيات التي قد تكون صادقة والتي يعبّر عنها كثيرون ممّن يريدون بناء وطن حقيقي، لا يمكن أن تقترن بالحلول الطائفية التي أثبتت تخلّفها وعدم مجاراتها لحركة التاريخ. وقد أثبتت هذه الحلول فشلها في مداواة المرض المزمن ولم تتمكن من اختراق الخلايا المصابة، بل اكتفت بتقديم المسكّن الموضعي الذي ما لبث أن تبخّر ليفجّر تاليا مزيداً من التقرحات على جسد الوطن.

لذلك، فإن المطلوب دائما هو رفع مستوى الحلول والارتقاء بها إلى طموحات الشباب المتطلّع إلى مستقبل أفضل، أي ذلك الشباب المفترض إبعاده كليا عن الانتماء الطائفي العليل والمسبب لهذه الأوجاع، دون أن يعني ذلك بالطبع إبعاده عن الهوية والانتماء الديني الذي يفخر به الجميع.

وقد بدا لي من مؤشرات الاتصالات التي شهدناها في لبنان مؤخرا، أن بعض السياسيين قد بدأ يعي فعليا خطورة ما جرى من تفرّعات دموية في المشهد اللبناني الحديث، فعاد إلى رشده قبل فوات الأوان، وقبل أن ينهار الهيكل على من فيه.

ولأن ما يرسمه ساسة اليوم سيطال حتما الأجيال القادمة، فمن المنطقي أن يأخذوا ذلك بعين الاعتبار لسبب بسيط جدا، وهو أن ما يسوّقون له اليوم لا يجب بالضرورة أن يعبّر عن تطلّعات وطموحات الأجيال القادمة، لأنه سيكون غريبا عن حركة المستقبل التي يأمل منها كثيرون أن تختلف جذريا عمّا نشهده اليوم من مهاترات وأحيانا مراهقات سياسية.

من هنا، يبدو بوضوح بأن السياسيين مطالبون بالالتفات إلى الأمام وعدم العودة إلى غياهب الماضي، والسعي لمخاطبة الجمهور بكل جرأة ومسئولية، انطلاقا من القناعة المنطقية التي يجب أن تتولد في نفوسهم ومختصرها العمل من أجل كسب تأييد وتعاطف كافة فئات الشعب، لا هذه الفئة أو تلك.

بجميع الأحوال، فإن من يملك القناعات الأيديولوجية الراسخة المدعّمة بإيمان قوي وحقيقي، لا يمكنه أن يخاف من الذوبان في المحيط الاجتماعي الأوسع. هذا إذا كانت أهدافه وطنية حقا. أما إذا كان مصرّا على التقوقع في دائرة اهتماماته الطائفية أو المصلحية الضيقة، فأنه سيحصر تأثيره ونفوذه فيها ولن يتمكن بالتالي من إقناعنا بأن أهدافه هي وطنية جامعة.

والمصالحات التي جرت مؤخرا هي مهمّة بكل المقاييس، وتعكس جرأة أحترمها لأن المساهمين فيها تمكّنوا من التغلّب على أنانيتهم الحزبية والطائفية والمناطقية إعلاء للمصلحة الوطنية العليا، وأظهروا للجمهور الأوسع استعدادهم لتأكيد الانتماء الوطني الحقيقي، كل حسب مفهومه الأيديولوجي بالطبع.

وبالتناسق مع هذا التلاقي الحزبي والطوائفي الذي نشهده، شدّ انتباهي موقف صادر عن أحد القادة اللبنانيين، أبدى فيه اعتذارا عمّا تسبّبت به قواته من «أخطاء» أثناء الحرب الأهلية البغيضة، طالبا من الآخرين حذو حذوه وملاقاته في منتصف الطريق أملا بسلوك درب الوطن الجديد معا.

شخصيا لم أكن يوما من مؤيدي هذا القائد ولا مستمعا إلى طروحاته الطائفية أو التقسيمية التي طالما عبّر عنها في العلن والخفاء، والتي لا تعكس، بالنسبة لي على الأقل، سوى مظهر من مظاهر الدفاع عن مصالح طرف واحد من الأطراف اللبنانية التي أحترمها مثلما أحترم غيرها.

لكني لا أجد أمام هذا الموقف الشجاع إلا أن أعبّر عن احترامي لهذا القائد، لأنه وجد في نفسه الشجاعة الكافية لكي يعتذر. ولا يسعّني إلا أن أوافق على لغة التحدي التي ميّزت لهجة خطابه، لأنها نادت بإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار آخر.

بكل بساطة، إن هذا التحدي مطلوب حاليا من كل الزعماء اللبنانيين. والجرأة أيضا مطلوبة، لا لشيء سوى لإنقاذ الوطن.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz