كثيرة هي الأخبار التي يتم تسريبها حاليا حول الاستعدادات الاسرائيلية لضرب البرامج النووية الايرانية، والموقف الاميركي تجاهها، بحيث بات يصعب على المرء التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو دعائي محض.

التجارب السابقة علمتنا ان نتخذ جانب الحذر والتدقيق في مصداقية الأخبار، خاصة بعد ان تبين ان كل ما سربته الادارة البريطانية من انباء حول اسلحة الدمار الشامل العراقية التي اتخذت سببا لشن الحرب على العراق كانت اكاذيب سافرة جرى تعميمها بشكل متعمد.

فهناك سلاح فعال يستخدم بشكل مكثف في الحروب، اسمه الحرب النفسية، لهز معنويات الخصم، واعطائه معلومات مضللة (بضم الميم وكسر اللام) لارباك استعداداته العسكرية، وافشال خططه الاستراتيجية ، والحرب التي تستعد لها اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة ضد ايران لا يمكن ان تكون استثناء في هذا الصدد.

نقول هذا الكلام بمناسبة ما ذكرته الاذاعة الاسرائيلية العامة امس عن اقدام الادارة الاميركية على نصب رادارات في النقب مضادة للصواريخ الباليستية، تعطي انذارات مسبقة في حال اطلاقها من قبل ايران، وتخصيص حوالي 150 خبيرا امريكيا لتشغيل هذه الرادارات، وتدريب اسرائيليين على استخداماتها.

لا نستبعد ان تكون هذه الاخبار صحيحة، آخذين في الاعتبار حالة القلق الاسرائيلية من البرنامج النووي الايراني واقترابه من انتاج رؤوس حربية.

ولكن لا نستغرب في الوقت نفسه ان يكون الكشف عن هذه الاخبار، بالطريقة التي تم بها، اي عبر الاذاعة الاسرائيلية، هو في اطار الحرب النفسية التي ذكرناها آنفا.

وما يرجح ذلك ان نصب رادارات على هذه الدرجة من القدرة الانذارية من المفترض ان يكون نوعا من الاسرار العسكرية الحساسة جدا التي يجب ان تظل طي الكتمان.

فإذا كانت هذه الاخبار صحيحة، فإن هذا يعني ان الضغوط الاسرائيلية على الادارة الاميركية للحصول على ضوء اخضر منها لتوجيه ضربات عسكرية جوية لتدمير المفاعلات النووية الايرانية قد بدأت تعطي ثمارها.

لان هذه الرادارات توحي بان الضربة باتت وشيكة، وانها تحظى بدعم الولايات المتحدة ومباركتها.

ايران ربما لا تقدم على اي عمل انتقامي بتوجيه صواريخها الباليستية الى اهداف اسرائيلية الا في حال تعرضها لهجوم، اي ان اسرائيل لن تكون بحاجة إلى هذه الرادارات اذا كانت لا تعتزم توجيه اي ضربات عسكرية لايران.

الرادارات هذه قد تعطي انذارات بانطلاق الصواريخ الايرانية، بحيث تستعد تجهيزات بطاريات صواريخ 'الباتريوت' للتصدي لها مبكراً وقبل وصولها إلى العمق الاسرائيلي.

ولكن النظريات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فهذه الصواريخ الأميركية الصنع لم تمنع وصول 39 صاروخاً أطلقها النظام العراقي على الدولة العبرية بعد الهجوم الأميركي الجوي على بغداد أثناء حرب كانون الثاني (يناير) عام 1991، ولا أربعة آلاف صاروخ أطلقها 'حزب الله' على أهداف اسرائيلية في حيفا وصفد وعكا كرد على العدوان الاسرائيلي في تموز (يوليو) عام 2006.

جميع الاحتمالات واردة، فقد توقعنا صموداً عراقياً وخسائر أميركية كبيرة في المرتين اللتين هاجمت فيهما أمريكا بغداد. كما توقع غيرنا أن تنتهي حرب لبنان التي شنتها اسرائيل ضد 'حزب الله' في أقل من اسبوع، وبنوا مواقف وحسابات سياسية على أساس هذا الافتراض.

وفي المرة الأولى كانت توقعاتنا في غير محلها، وتحدث البعض عن 'خيانات' في الجيش العراقي من قبل بعض القادة، وفي المرة الثانية خابت توقعات الآخرين وامتد صمود المقاومة الاسلامية لأكثر من أربعة وثلاثين يوماً ، منيت اسرائيل خلالها بهزيمة هزت اسطورة مؤسستها العسكرية التي لا تهزم.

احتمالات الحرب تظل أكبر من احتمالات السلام، فإسرائيل لا تستطيع تقبل وجود قوة نووية في المنطقة غيرها، وتريد أن تكون ايران ذليلة مستسلمة مثل جاراتها الدول العربية ، وهو أمر غير ممكن حتى هذه اللحظة.