الذين أكرمهم الله فأدوا «العمرة» خلال هذا الشهر الكريم لا شك أنهم لاحظوا تزايد عدد الذين يحرصون على أداء هذه السُنَّة التي يرفعها بعض الأئمة والعلماء إلى درجة الوجوب، هذه الأعداد التي تتضاعف عاما بعد عام مشَكِّلةً ظاهرة يعدُّها البعض غريبة في عصر طغت فيه المادة على الروح فغدت الدنيا فيه أكبر همِّ البشر ومبلغ علمهم، وفي زمن زادت فيه تكاليف هذه الرحلة المباركة بفعل استغلال بعض الذين يعتبرونها تجارة يتكسبون منها.

وسط هذا كله يلفت انتباهك الإقبال الكبير على زيارة الأماكن المقدسة، ويثير تساؤلك حرص هذا السواد العظيم من المسلمين على الانسلاخ من عالم المادة، ولو أياما قلائل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لذلك تجد نفسك مضطرا إلى الوقوف أمام هذا المشهد متأملا ومستدعيا عددا من الأسئلة التي تبحث عن إجابات شافية لها، مرسلا عددا من الأمنيات التي ترجو أن تراها متحققة على أرض الواقع.

لعل أول سؤال يطرح نفسه هو سر هذا الدين الذي يجتذب إليه كل هذه الوجوه مختلفة الألوان والملامح والثقافات والمشارب والألسنة. إنه لا شك دين عظيم هذا الذي استطاع أن ينتشر في كل هذه البلاد بامتداد رقعة الكرة الأرضية، وبين شعوب لا تتحدث العربية التي نزل بها القرآن الكريم دستور هذه الأمة ومعجزة نبيها الكبرى الخالدة منذ نزول الرسالة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا السؤال يفرض تداعيات عن مدى قدرة هذا الدين على الصمود كل هذه الفترة التي جاوزت الأربعة عشر قرنا، رغم فترات الوهن التي مرت بها الأمة الإسلامية بالتناوب مع مراحل صعود كثيرة سجلت خلالها إنجازات سوف تبقى خالدة في كل الحقول والمجالات، إنجازات لسنا بالطبع في مجال اجترارها أو العيش على ذكراها، فالاعتزاز بالتاريخ لا يعني الركون إلى الدعة واستدعاء الأحلام للهروب من الواقع.

في مشهد المسلمين الذين تجمعهم الرحاب المباركة في مناسبات «الحج والعمرة» فرصة لتأمل أحوال هذه الأمة ورصدها لتسجيل بعض الملاحظات التي يمكن الانطلاق منها لتحديد أسباب الوهن الذي تمر به للبدء في معالجتها.

فمن تيسر له أداء هذه المناسك هذا العام والأعوام السابقة يستطيع أن يرصد ما يحدث في هذين المنسكين العظيمين وفي أشرف بقعة على وجه الأرض، خصها المولى جل وعلا بأول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليه منذ أن رفع نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل قواعده وطهّراه للطائفين والقائمين والرُكّع السجود.

أول ما يلاحظه المرء في هذه الديار المقدسة حالة الجهل السائدة بين من يقصد هذه الأماكن الشريفة، ليس الجهل بأداء المناسك - مما يمكن تداركه - وإنما الجهل بطريقة أدائها والغرض منها، حيث يشعرك كثير ممن يؤدون الحج والعمرة أنهم في سباق للانتهاء من أداء مناسك هاتين الشعيرتين.

فترى المزاحمة والتدافع اللذين يذهب ضحيتهما الضعفاء والنساء وكبار السن وذوي العاهات البدنية ممن لا مقدرة لهم على مزاحمة الأصحاء والأقوياء، وأكبر شاهد على ذلك المعركة التي تدور حول الحجر الأسود الذي يشكل الوصول إليه مغامرة لا يقوى على الإقدام عليها.

إلا من يتمتع بصحة كاملة وعضلات قوية قادرة على الصمود أمام الموجات البشرية والأيادي والأكتاف التي تدفعه ذات اليمين وذات الشمال لشم الحجر الأسود وتقبيله، وعلى هذا قس ما يحدث في الطواف والسعي وحول ماء زمزم في الحرم المكي الشريف، وما يحدث عند رمي الجمرات خلال أيام التشريق الثلاثة، وحوادث الأعوام السابقة خير شاهد على ذلك.

هذا الجهل بطريقة أداء المناسك يخلق حالة من الفوضى تؤدي إلى انتفاء الغرض من أهداف هذه الفريضة وما يجب أن تزرعه في نفس المسلم من حب للنظام، الأمر الذي يعطي انطباعا سيئا عن حالة الأمة، فأمة هذا حالها لا تقدر على تنظيم نفسها في واحدة من أهم عباداتها لا تستطيع أن تنظم صفوفها أمام أعدائها، وكيف نطلب من الأمم أن تحترمنا وترهبنا ونحن على هذا الحال من عدم التنظيم والفوضى في أقدس مكان على وجه الأرض في شريعتنا؟!

ومن الظواهر التي تلفت النظر في جموع الذين يؤدون هذه المناسك حالة الفقر التي تبدو على الغالبية العظمى منهم، ورغم أننا نتفق على أن الفقر ليس نقيصة ولا عيبا، بل لعله يحسب لصالح أولئك الذين يأتون من بلاد بعيدة لأداء هذه المناسك رغم أحوالهم المادية المتعسرة، إلا أننا نتساءل عن ثروات الأمة الإسلامية التي تشكل في مجملها واحدة من القوى الاقتصادية الكبرى على امتداد رقعة العالم الإسلامي.

هذه الثروات التي تبدأ من النفط الذي يعد أهم سلعة في العالم لكونه مصدر الطاقة الأول الذي تبنى عليه سياسات الدول الكبرى، وتتصارع حول منابعه القوى العظمى، وتنشأ بسببه الحروب، وتزال من أجله أنظمة وتقام أنظمة، إلى بقية الثروات التي تتنوع بين مصادر المياه التي لا تقل أهمية عن النفط، والمعادن، والأراضي الزراعية الخصبة.

وغيرها من الخيرات التي لا نرى لها أثرا على أحوال الغالبية العظمى من المسلمين، خاصة أولئك الذين يقصدون الأماكن المقدسة لأداء هذه المناسك. إن مشهد الجموع الغفيرة التي تتوافد على البيت العتيق في هذه المواسم المباركة جميل ومفرح.

لكنه لا يبعث الأمل في صحوة قريبة تعيد الأمة إلى الطريق الذي فقدت معالمه حتى بات يقودها كل مُدّعٍ وصاحب هوى وحائد عن الطريق الذي رسمه لها كتابها الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحدد معالمه نبيها الكريم.

إن أخشى ما نخشاه هو أن يصدق علينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله، فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت). إن كل ما نتمناه هو أن لا نكون نحن هذا الغثاء الذي ذكره رسولنا الكريم القائل أيضا: (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم الدين).

كاتب إماراتي : aliobaid4000@yahoo.com