تسارعت وتيرة عمليات القرصنة البحرية، في الآونة الأخيرة. القراصنة الصوماليون باتوا يصطادون السفن قرابة شواطئهم، وكأنها سمك في بحر. التي تقع منها في شباكهم، يبقى الإفراج عنها مرهوناً بدفع فدية مالية دسمة. آخر الغنائم سفينة أوكرانية بحمولة عسكرية روسية. 35 مليون دولار، السعر الذي وضعه الخاطفون لفك أسرها. سعر مرتفع يتناسب مع الشحنة العسكرية التي تحملها.

وهي ليست الغنيمة الأولى، ولا الأغلى، لعمليات الصيد الصومالي المتوسّع، في أعالي البحار القريبة. بدأت هذه الموجة منذ فترة بصورة عشوائية ومتقطعة، ثم أخذت تتزايد والرقم يرتفع. من بداية العام الجاري وحتى الآن، تعرضت أكثر من ستين سفينة لهجمات القراصنة الصوماليين. آخر المعلومات أن هناك حوالي 25 سفينة محتجزة، من بينها 14 ناقلة نفط مع طواقمها الثلاثمائة، لدى هؤلاء القراصنة.

يطالبون بمليون دولار وما فوق ثمناً لكل واحدة؛ قبل رفع اليد عنها. في الربيع الماضي سطوا على يخت فرنسي، قبضوا مليون دولار للإفراج عنه. منذ يومين أخلوا سبيل سفينة تجارية يابانية محتجزة منذ شهرين، مقابل 2 مليون دولار. وأخرى مصرية.

يأخذون من البحّارة رهائن لفرض شروطهم ومطالبهم. القوات البحرية التي تطاردهم، لم تفلح في معظم الأحيان في إحباط عملياتهم. قويت شوكتهم. تمرّسوا وعملوا من القرصنة صناعة جديدة. تطوروا من مجموعات أفراد إلى شبكة منظمة، تشير التقارير إلى أنها باتت بحجم ألف مسلح.

لهم عدّة عمل، من مراكب وقوارب سريعة، تسمح لهم بممارسة صيدهم على بعد أكثر من أربعمائة كلم عن السواحل الصومالية. صار للشبكة مرفأ تسيطر عليه، بل هي بدأت تأخذ طابع المؤسسة، حيث صار لها متحدث رسمي باسمها، وكأنها تمارس عملاً مشروعاً. تقدم البيانات والأرقام والمعلومات، وتحدّد الشروط والمطالب.

بل توجه التهديدات والتحذيرات من مغبة مواجهتها بالقوة للإفراج عن السفن وملاّحيها. كل ذلك يحدث في محيط أهم ممر مائي دولي بين الشرق والغرب، من خلال البحر الأحمر وقناة السويس. الأهم، والأخطر في آن، هو أن 4% من النفط الخام العالمي يعبر يومياً هذا الممر. هذا عدا عن الحركة التجارية البحرية المكثفة التي يشهدها يومياً، وبالتحديد من وإلى منطقة الخليج. القرصنة كار قديم

. مارسه قطاع الطرق البحرية، للارتزاق وفرض النفوذ أو توسيع وحماية التخوم. ساد يوم كانت شرعة الغاب هي البضاعة المعمول بها في التعامل بين الشعوب والأمم. تلاشت هذه الشرعة مع تنامي ثم ترسّخ القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، التي أرست القواعد والأنظمة الحاكمة للعلاقات وحرية الحركة وطرق المواصلات.

انتعاش مناخات التسيّب والانفلات، سمح بمثل هذه العودة للقرصنة، المفترض أنها ذهبت إلى غير رجعة. ردّة ضدّ التاريخ، لا بدّ من صدّها وردها إلى مدافن التاريخ؛ قبل أن تستفحل وتستشري كظاهرة إضافية من ظواهر الإرهاب.