كيف يمكن وصف ما جرى أمس في دمشق؟ وهل باستطاعة قلم الصحفي أن يختزل المشاهد المأساوية المؤلمة التي بثتها شاشتنا الصغيرة عن الجريمة المروعة والعمل الإرهابي الجبان الذي استهدف المواطنين الأبرياء؟

عمد الإرهابيون القتلة إلى تفجير سيارتهم المفخخة في منطقة مزدحمة على أمل أن تحصد أكبر عدد من الضحايا لتكون الخسارة والمصيبة أكبر. ‏

ومع أن سبعة عشر شهيداً سقطوا نتيجة هذا العمل الإرهابي، إلاّ أن القدر كان رحيماً خاصة بأطفالنا، تلاميذ المدارس، ولو كان يوم أمس يوم دوام رسمي لكانت حصيلة الجريمة مروعة وكارثية. ‏

ها هو الإرهاب يضرب من جديد في قلب عاصمة العروبة التي كانت على الدوام عنوان الصمود والتحدي، والتي تقول: لا، لكل المخططات والمؤامرات التي تستهدف النيل من الأمة العربية وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، ورفضت، وترفض، كل المشاريع الوافدة من وراء البحار أو من المنطقة نفسها. ‏

قلنا دائماً: الإرهاب لا دين له ولا هوية ولا انتماء، والإرهابيون يبيعون أنفسهم للشيطان نفسه في سبيل مصالحهم الأنانية الرخيصة، ويحولون دماء الأبرياء إلى جسر للعبور نحو هذه المصالح والأهداف الدنيئة. ‏

مرة أخرى يعود الإرهاب ليكشر عن أنيابه القذرة ويحاول المسّ بالوحدة الوطنية التي كانت دائماً سلاح سورية القوي والقاعدة العريضة التي تستند إليها دمشق في سياساتها ومواقفها، وعملية إرهابية جديدة، مهما كانت بشعة ومروعة، لا يمكنها أن تؤثر على هذه القاعدة، أو تمسّ تلك الوحدة، التي هي أساس صمودنا وقدرتنا على مواجهة التحديات، وكم كانت كبيرة خلال السنوات الماضية. ‏

هوية القتلة والإرهابيين معروفة سلفاً، فمن يرتكب مثل هذه الجرائم فإنما هو يعمل في مصلحة أعداء سورية المتربصين بها الشرور، والذين غاظهم عودتها المظفرة إلى المعترك الدولي بعد محاولات يائسة للعزل والحصار والمعاقبة. ‏

لا يهمنا الجهة أو الأدوات التي نفذت جريمة الأمس بقدر ما يهمنا الجهة، أو الجهات و«الأدمغة!» التي خططت لهذا العمل الإجرامي، والأهداف الكامنة وراء ذلك. ‏

كانت سورية من أوائل الدول التي اكتوت بنار الإرهاب، وانتصرت في معركتها ضده. ‏

وكانت سورية بلسان قائدها الراحل حافظ الأسد أول دولة في العالم دعت إلى عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب ومكافحته مكافحة جماعية تسهم بها الدول والشعوب، وهو الموقف نفسه الذي تبناه السيد الرئيس بشار الأسد وكرره مراراً، لكن أحداً في العالم لم يسمع في الثمانينيات ولا هذه الايام تحذيرات سورية ودعوتها إلى عمل جاد وحقيقي يضع الأسس لمكافحة الإرهاب الذي صار يصول ويجول خاصة خلال السنوات الثماني الماضية كما يحلو له من الهند إلى باكستان مروراً بمنطقتنا وصولاً إلى الداخل الأميركي نفسه. ‏

وبدلاً من مكافحة الإرهاب، شهد العالم استفحالاً له بشكل مرعب، بل بذريعة مكافحة الإرهاب تمت تغذية الإرهاب وتوفير المناخ المناسب لنموه، لتصبح البشرية جمعاء تحت رحمة المجموعات الإرهابية، وبعض الأنظمة و«الدول» التي لا تختلف كثيراً عن المنظمات الإرهابية نفسها. ‏

جريمة الأمس لن تخيف سورية، ولن تجعلها تحيد قيد أنملة عن مواقفها الوطنية والقومية لأنها تعبر من خلال هذه المواقف عن إرادة الشعب العربي. ‏

وما جرى يدعونا مجدداً إلى التذكير بأهمية الطروحات السورية لمكافحة الإرهاب على مستوى العالم أجمع، وليس بأساليب فردية وارتجالية ولأغراض غالباً ما تكون أنانية ومصلحية، بل بوضع حد لهذا الاخطبوط. ‏

نظن أن الوقت قد حان لوقفة عالمية موحدة ضد الإرهاب الذي يتنقل بين الدول على امتداد العالم، وما يجري يجب أن يكون دافعاً نحو عمل دولي متكامل إذا كانت هناك إرادة حقيقية لمكافحة الارهاب وحماية البشرية من مخاطره.