ما سر هذا الهوس «بالإرهاب»، وازدياد الاحتياطات التي تتخذ ضده، عاما بعد عام، وفى بلد بعد آخر؟ المسافرون يجرى تفتيشهم وكأنهم مجرمون، والسيارات تفتش وتتشممها الكلاب البوليسية قبل أن يسمح لها باجتياز بوابات المباني الرسمية، ومرتادو الفنادق والمسارح يطلب منهم فتح حقائبهم للنظر في داخلها، بما في ذلك حقائب يد السيدات.
والأطفال يشتبه في أن ملابسهم قد توضع فيها المتفجرات بدلا من ملابس ذويهم، بل والصناديق التى تحمل جثث الموتى تفتح أحيانا للاطمئنان على أن المتوفى لم توضع معه مواد متفجرة، والبنوك تعاملنا معاملة المهربين الذين قد يكون دافعهم لتهريب الأموال العزم على تنفيذ عمليات إرهابية.. الخ.
الظاهرة لاعقلانية تماما، إذا صدقنا السبب الذي يقال تفسيرا لها. فإذا صدقنا أن المقصود هو حماية الناس من الإرهاب، فهل تتناسب كل هذه الاحتياطات مع احتمال وقوع حادث إرهابي بالفعل؟ إن عدد المقبوض عليهم بسبب شبهات حقيقية في ارتكابهم أعمالا إرهابية ضئيل جدا بالنسبة الى عدد المسافرين أو بالنسبة الى عدد الطائرات التي تغادر أو تهبط في مطارات العالم في كل دقيقة من ساعات النهار والليل.
أما عدد الذين ثبت عليهم بالفعل تهمة ارتكاب عمل إرهابي، فهو أيضا ضئيل جدا بالنسبة الى عدد من تثبت براءتهم. الذين يخضعون للتفتيش كثيرون جدا، والذين يشتبه في قيامهم بعمل ارهابى أقل كثيرا من هؤلاء، والذين تثبت عليهم التهمة يكادون أن يعدّوا على الأصابع. فلماذا كل هذه المضايقات، ولماذا ينشر كل هذا الذعر؟ ولماذا كل هذا الإنفاق الباهظ على شيء لا يبدو أنه يحقق على الإطلاق ما يزعم له من أهداف؟
قد يقال إن هذا الجهد العظيم، وهذا الإنفاق الباهظ هما ما حقق هذه النتيجة الرائعة: قلة أحداث الإرهاب «نعم (قد يقول قائل)، قد يكون عدد من ثبتت عليهم جريمة الإرهاب قلة ضئيلة، ولكن يمكنك أن تتصور عددهم لو لم تتخذ كل هذه الاحتياطات». ولكن هذه الحجة لا يمكن أن تقنع أحداً، إذ ليست هناك أية طريقة لحساب كم سيكون عدد حوادث الإرهاب لو لم تتخذ هذه الاحتياطات ولم تنفق كل هذه المبالغ.
تماما كما أنه ليست هناك طريقة لتحديد ما كان سيكون عليه حال فرنسا لو لم يولد نابليون، أو حال روسيا لو كان ستالين قد أصيب في حادث وهو صبى صغير. بل إن هذه الحجة تذكرني بنكتة طريفة عن شخص ضعيف العقل كان راكبا في قطار، وطوال سير القطار لم يكف عن قطع ورقة بعد أخرى من بعض الجرائد التي كانت معه، فيصنع من كل صفحة كرة ورقية ثم يلقيها من نافذة القطار.
هكذا استمر في إلقاء كرة بعد أخرى حتى أثار الدهشة وحب الاستطلاع لدى رجل يجلس أمامه فسأله لماذا تصنع هذا؟ ما فائدة إلقاء كرة ورقية بعد أخرى من النافذة؟ فأجابه الرجل المخبول: لكي أمنع الأفيال البيضاء من القدوم للهجوم على القطار.
فأجابه الرجل بدهشة أكبر ولكن ليس هناك اى أفيال بيضاء أو سوداء في هذه المنطقة؟! فقال الرجل: أرأيت إذن كم هى مفيدة هذه الطريقة التي أتبعها؟. لا مفر إذن من الاعتماد على المنطق والحس السليم. والمنطق والحس السليم يقوداننا الى الشك بشدة في جدوى معظم هذه الإجراءات، والى الاعتقاد بأن الجزء الأكبر مما ينفق عليها لا أثر له في تخفيض عدد الأعمال الإرهابية.
فأولا من الواضح جدا أن الذي يريد القيام بعمل ارهابى لديه عدد لا نهائي من الوسائل التي تمكنه من القيام به غير ما فكّر فيه المسؤولون عن الأمن. فالطائرات والقطارات ليست الأماكن الوحيدة التي يمكن فيها ممارسة الإرهاب.
ومادام الإرهاب (كما يظهر لنا) لا يترك وراءه عادة مطلبا محددا أو شرحا للقضية التي يرتكب عمله من أجلها، وإنما يقصد فقط مجرد «الإرهاب»، فإنه يستطيع أن ينفذ غرضه بألف طريقة أخرى غير تفجير وسائل المواصلات، فإذا سّد أمامه طريق بسبب احتياطات الأمن لجأ الى طريقة أخرى.
يؤكد هذا الاستنتاج بشدة أن القائمين بمهمة مكافحة الإرهاب يزعمون أن الإرهابي، في كثير من الأحوال، مستعد للتضحية بنفسه أثناء قيامه بالعمل، أي أنه كثيرا ما يقصد القيام بعملية انتحارية. ومعظم الإجراءات التي تتخذ لتفتيش المسافرين بالطائرات، ولمنعهم من حمل مواد متفجرة، أو من حمل أشياء يمكن أن تستخدم في صنع مواد متفجرة، تفترض النية في القيام بأعمال انتحارية.
فما هى يا ترى نسبة الأشخاص المستعدين للتضحية بحياتهم من أجل مجرد «الإرهاب»، دون حتى أن يعلنوا عن الأهداف التي يريدون تحقيقها من وراء هذا الإرهاب؟ هل انتشر الجنون حقا بيننا الى هذا الحد؟ أي الى حد الاستعداد للموت من أجل تفجير طائرة أو قطار دون أن يترتب على هذا التفجير أي فائدة واضحة لأي إنسان؟
ليس لديّ شك إذن في أن الجزء الأكبر مما نسمعه من تبريرات لإجراءات مكافحة الإرهاب غير مقنع البتة. ومن ثم لابد لنا أن نبحث عن تفسير آخر. فما هو؟ قبل أن أشرع في الإجابة على هذا السؤال، أحذر القارئ من الظن بأن ما سأقدمه من تفسير هو من قبيل «نظرية المؤامرة» التي يرى كثيرون أنه يجب رفضها من البداية.
إذ أنى أسأل القارئ: هل معنى أي شك في نظرية سائدة لتفسير ظاهرة سياسية، معناه بالضرورة أن يكون المرء معتوها أو أبله ؟ هل من قبل العته أو البله ألا يصدق المرء ما تردده وسائل الإعلام ليل نهار، وأن يرجح أن هناك مصالح قوية وراء هذا الترديد؟ وهل هذا الرفض لبعض الأفكار الشائعة حول ظاهرة سياسية معناه أن المرء يتصدر وجود مجموعة من الأشخاص الأشبه بالشياطين، يجلسون في الظلام للتخطيط من أحل خداع الناس ؟
أليس من الممكن أن يتم هذا الخداع دون تآمر بل كنتيجة طبيعية لدفاع بعض أصحاب المصالح عن مصالحهم؟ وهل ينكر أحد أن التاريخ السياسي الحديث ملئ بمحاولات خداع الناس تحقيقا لمصالح اقتصادية أو سياسية أو عسكرية لا يتم الإفصاح عنها؟ ليس هناك بالضرورة مؤامرة. فما هو إذن تفسير هذا التصميم على اتخاذ إجراءات قليلة الجدوى في تحقيق الهدف المزعوم، وباهظة التكاليف بزعم مكافحة الإرهاب؟
كاتب مصري : sgsaafan@gmail.com
