هذا ما يمكن أن يوصف به خطاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أمام اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في يوم الثلاثاء الماضي. لقد كان خطاب الرئيس الإيراني خطاباً متشدداً وكان موجهاً بالدرجة الأولى إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين وصفهما الرئيس الإيراني في خطابه بأنهما أكثر مصادر التهديد للأمن والاستقرار الدوليين.

وأشار إلى أن الإمبريالية الأميركية قد شارفت على نهايتها وإن إسرائيل ماضية في طريقها للزوال. خطاب الرئيس الإيراني كان خطاباً هجومياً لذلك حق له أن يوصف بأنه خطاب بلا خطام. جاء تشدد خطاب الرئيس الإيراني أمام الجمعية العمومية من أجل تحقيق هدفين.

الهدف الأول متعلق بالولايات المتحدة حيث كان الخطاب بمثابة رسالة موجهة إلى الرئيس الأميركي الجديد الذي سيتولى إدارة شؤون الولايات المتحدة الخارجية ابتداء من بداية العام المقبل، وهي رسالة مفادها أن سياسة الرئيس الأميركي الحالي حول ملف إيران النووي لم تكن مجدية في التعامل مع إيران وأن على الرئيس الأميركي الجديد أن يتبنى سياسة جديدة قائمة على احترام حق إيران في امتلاك القدرة النووية وعدم معاقبتها بسبب سعيها اكتساب هذا الحق.

فالخطاب جاء ليؤكد على أن إيران لن تتنازل عن حقها في امتلاك القدرة النووية مهما كانت التداعيات. وشدة حدة الخطاب جاءت أيضاً رغبة في التعبير الإيراني عن قناعتهم بأن إيران قد كسبت الجولة الحالية مع الولايات المتحدة حول ملفها النووي وإن الجولة القادمة يجب أن تقوم على مبدأ الرضوخ لحق إيران في امتلاك القدرة النووية.

والهدف الثاني الذي سعى من خلاله الرئيس الإيراني إلى تحقيقه هو التأكيد على أن إيران ما زالت تنظر إلى إسرائيل على أنها عدو وأنها مصدر المشاكل في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص والعالم بشكل عام. هذا التأكيد ضروري لأنه يأتي بعد فترة من الجدل الذي دار داخل أروقة القيادة السياسية في المجتمع الإيراني حول مسألة العلاقة مع الإسرائيليين وهل هم أصدقاء أم أعداء.

فنائب الرئيس الإيراني صرح سابقاً بأن الإسرائيليين هم أصدقاء إيران مما جعل البعض يعتبر بأن ذلك التصريح قد جاء بمباركة من قبل الرئيس الإيراني من أجل أن يقلل من زخم موجة الانتقادات الدولية التي جاءته بسبب تصريحه السابق الداعي إلى تدمير إسرائيل ومحوها من الخارطة السياسية.

من ثم جاء إعلان المرشد الأعلى للثورة الإيراني السيد على خامنئي بأن الإسرائيليين هم أعداء لإيران ولا يمكن أن يكونوا أصدقاء معها ليؤجج اختلافاً فكرياً جديداً داخل القيادة السياسية الإيرانية. لكن خطاب الرئيس الإيراني المتشدد تجاه إسرائيل بالذات أمام الجمعية العمومية.

جاء كما يبدو ليضع حداً لحالة الجدل هذا لصالح وجهة النظر الرافضة لصداقة إيران مع الإسرائيليين وينهي بالتالي التكهنات عن وجود حالة خلاف مستمرة بين القيادة السياسية في إيران وليؤكد أن الخط العام الذي تسير عليه إيران في سياستها تجاه إسرائيل هو خط واحد وثابت لا يختلف بين القيادات السياسية الإيرانية.

وبالتالي فإن خطاب الرئيس الإيراني كان خطاباً موجهاً وقد وضعت له أهداف معينة لتحقيقها ولعله نجح في إيصال ما أراد أن يوصله إلى العالم بشكل عام والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص. لكن ما هي تداعيات مثل هذا الخطاب المتشدد على مستقبل المسألة النووية الإيرانية؟

أول ما يمكن الحديث عنه هو أننا قد نكون أصبحنا اليوم أكثر قربا لتحرك عسكري ما ضد البرنامج النووي الإيراني من أية فترة قد مضت. فهذا الخطاب قد يؤجج إسرائيل ويؤجج كذلك الجماعات الصهيونية الموالية لها في الولايات المتحدة من أجل الدفع نحو الضغط على الحكومة الأميركية لاتخاذ إجراءات وتدابير عسكرية لمواجهة الخطر الإيراني المتمثل في برنامجها النووي.

فالمعروف أن أحد أهم أركان أي تحرك عسكري أميركي في منطقة الشرق الأوسط هو وجود دعم إسرائيلي وصهيوني لذلك التحرك فغياب مثل ذلك الدعم يجعل الإدارة ألأميركية في الغالب تتراجع عن القيام بأي تحرك.

والملاحظ أنه في الفترة السابقة أن إسرائيل لم تعمل على الضغط على الولايات المتحدة من أجل تبني أسلوب المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، ولكن بعد هذا الخطاب قد يكون هناك دافع وحافز إسرائيلي نحو الضغط على واشنطن للتحرك في مسألة حسم موضوع البرنامج النووي بالطريقة العسكرية.

لاسيما وأن موضوع إزالة إسرائيل ومحوها ما زال هو الخطاب السياسي الرائج لدى القيادة السياسية في إيران وهو ما عبر عنه الرئيس الإيراني في خطابه أمام الجمعية العمومية عندما قال إن إسرائيل ماضية في طريق الزوال.

جاء الخطاب الإيراني المتشدد الذي لا يقبل المساومة بعد خطاب أميركي هو الآخر متشدد ألقاه الرئيس الأميركي أمام المجتمعين في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي وصف من خلاله إيران بأنها دولة تدعم الإرهاب وحث من خلاله المجتمع الدولي على مواجهة إيران بفرض مزيد من العقوبات بسبب ملفها النووي.

خطابان متشددان لا يعطي أياً منهما فرصةً للدبلوماسية والسياسة كي تنجحا في ردع فتيل التوتر بين الأطراف. خطابان يعلنان بصراحة أن المواجهة مستمرة وأنه لا يبدو أن في الأفق ما يمكن أن يشير إلى إمكانية التهدئة. فحرارة الخطابات السياسية قد تؤدي إلى اشتعال حرب جديدة تحت مسمى الوقاية من بروز الخطر لاسيما إذا ما دخلت إسرائيل وجماعاتها الضاغطة على الخط.

جامعة الإمارات : binhuwaidin@hotmail.com