من نعم الله وألطافه على عباده، أمور تخفى معانيها ودلالاتها على الإنسان، فيظنها سيئة وهي من الحسنات والفضائل الخفية التي تحتاج إلى تأمل وتدبّر، وهي كثيرة يتعذر إحصاؤها . من ذلك ( فضيلة ) النسيان .
فلو تدبّر الإنسان هذه الفضيلة لعلم أن نسيانه هدية من الله، لأن هذا النسيان وفر عليه كثيرا من متاعب الندم والألم وخفف عليه الكثير من وعورة التذكر، وما يستجلبه من هموم تفسد عليه متع الحياة، وتوتّر لسبب غارق في دهاليز الذاكرة، لا نفع فيه لحاضره، ولا يخلّف غير ندم على ما لا يمكن استدراكه .
فالنسيان هنا منقذ من قلق يربك أيامه بما يثيره من أيام مضت لا يستطيع استعادتها وإعادة النظر فيها والانتفاع بها . ومن هذه الألطاف التي تخفى علينا دلالاتها، ويتعذر علينا التقاط معانيها، فضيلة (الملل)، حيث تبقى بعض الأمور تروح وتجيء وتعاد وتُستعاد.
وتتكرر على أكثر من وجه، وربما تكررت على الوجه نفسه، مرات ومرات دونما إحساس بالملل والضجر والسأم من التكرار الذي يعاد بدون إضافة جديدة لأفكار ومواقف قيلت وتكرر قولها، حتى ليسأم المرء مما يرى ويسمع منها . ورحم الله الشاعر أحمد الصافي النجفي الذي قال :
هي سينماء قد تكرر حقها حتى بطل
والبُطل لما كرروه بها غدا حقاً؛ أجل !
وهذا هو واقع الحال في أيامنا، والخوف منه أن نتآلف مع الملل، فلا نلتفت إلى كون غيابه عن حياتنا يقودنا إلى الرتابة والخمول والقبول بكل ما يُقال دون ملل . والحقيقة أن غياب الملل بلادة؛ والمكرور من القول هو كرْب للنفس، وضيق في الصدر، يقود إلى النفور.
مما نسمع ونقرأ، ويحرمنا من الوقوف في منطقة الحقيقة المهددة بهذا الداء الذي أسميه ( غياب الملل ) ، ذلك أن غياب الملل من شؤوننا المتكررة، وإعادة تكرارها، يبلد الذهن، ويخثّر طاقاتنا في استجلاء الحقيقة التي ننشدها . وساستنا ذوو باع طويل في استثمار غياب الملل .
تصريح واحد يعاد نشره في العشرات من الصحف والمواقع في يوم واحد، لا بأس، إنهم يحرصون على إطلاع قرائهم على آرائهم، لا بأس؛ أما أن يعاد النشر في اليوم التالي والأسبوع التالي والشهر التالي؛ بلا تجديد في الموقف أو الرؤية.
فهذه هي البلادة التي تَعمُر أيامنا وتسوقنا إلى حالة من الشك والريبة، والإحباط وعدم الثقة في التصريحات التي لا يمل منها أرباب الشأن، ولا يأنفون من ترديدها على أسماعنا دون حرج، بل دون وعي، ودون ملل، حتى تحقق لي ما قلته ذات يوم :
«من فرط ما حاصرنا الشك، نسينا لذة اليقين»
وإذا كان لوسائل الإعلام أن تعيد نشر تصريح واحد عشرين مرة، بالصيغة نفسها، والمعنى نفسه، حتى دون تعديل في الجملة، أو إضافة جديد إليها، فكيف يرضى المسؤول الكبير أن يكرر قولته الباهرة ستين مرة في الشهر دون أي معنى إضافي، ودون أن يمل من ذلك .
بعض قادتنا السياسيين يحسنون ما أسميته بـ (علم الكلام الحديث)، فيناقشون ويساجلون، ويحاججون، ويقترحون المشاريع، ويخترعون المواقف ويبررونها، ويحيلون الأبيض أسود، والأسود أخضر، ويريدوننا أن نمشي على الصراط الذي يرسمونه لنا.
ولا يملون من تكرار وعودهم الفارغة، وعباراتهم الجاهزة التي نعرف أوائلها ونخمّن أواخرها؛ والدوامة تدور، ونحن ندور معها بملل وسأم وانتظار لا بُعد متوقعا له، بانتظار ما يُفرزه الملل من هذه الدوامة، وهو لا يفرز شيئاً، ما دام المسؤول الكبير لا يمل .
عدم الملل لا يدل على عافية من أي نوع، لأنه يقودنا إلى التآلف مع الأمور المرفوضة والقبول بها . الملل من نعم الله علينا، وعلينا أن نتساءل عن غيابه في لغة القيمين على أمورنا . وعلينا أن نصارحهم بمللنا من جملهم الجاهزة، ووعودهم المتكدسة على بعضها، دون إنجاز ذي قيمة واقعية، ودون اعتبار لهموم الناس وتطلعاتهم وحاجاتهم وأملهم بحياة طبيعية لا التفاف فيها على الحقيقة، ولا رغبة في سماع وقراءة المكرور من الكلام .