اليوم تمر ثمانية وثلاثون عاما على رحيل جمال عبد الناصر. ومع ذلك فمازال البعض في مصر (وفي غير مصر بالطبع) يخشون من مجرد عرض مسلسل تلفزيوني عنه!! وقد أورد المسؤولون في التلفزيون المصري الرسمي أسباباً مضحكة لمنع إذاعة المسلسل على القنوات الأرضية للتلفزيون المصري.

أسباب لم تقنع أحداً بالطبع ولو انصفوا لقالوا سبباً واحداً للمنع كنا ـ مع الملايين ـ سنصدقه.. وهو أنهم لا يشجعون إنتاج وعرض مسلسلات عن شخصيات مازالت حية!.. كنا سنصدقهم، والأهم أن الواقع نفسه كان سيساندهم في هذا المنطق!

لكنهم ـ بالطبع ـ كانوا يعرفون أن مثل هذا الاعتراف منهم يعني الكثير داخل مصر وعلى طول الوطن العربي ويمثل ادانة لسياسات مازالت قائمة ولانقلابات ندفع ثمنها، ولكل محاولات تزوير التاريخ التي عاصرناها على مدى ما يقارب من أربعة عقود.

لم تكن المشكلة في المستوى الفني للمسلسل ولا حتى في توجه صانعي المسلسل وموقفهم مع أو ضد عبد الناصر، ولكن المشكلة هي في عبد الناصر نفسه وفي أن يطل على الناس من شاشات التلفزيون على مدى شهر كامل، وفيما سيثيره المسلسل من مناقشات وخلافات، وفيما سيثبته من أن الرجل - رغم كل حملات الهجوم الضارية ومخططات التعتيم والتشويه مازال هو الحاضر الأكبر في وجدان ملايين المصريين والعرب.

منع المسلسل من العرض على القنوات الأرضية للتلفزيون الرسمي في مصر، فكانت النتيجة أن المحطة الفضائية المصرية الخاصة التي أذاعته (والتي بدأت العمل قبل شهور) أصبحت أنجح القنوات الفضائية المصرية وواحدة من أكثر القنوات العربية انتشاراً، وتحولت المقدمة الغنائية للمسلسل إلى أكثر الأغاني ذيوعاً حيث يردد الملايين بأسى «مكانك في القلوب يا جمال».

ولسنا هنا أمام حالة حنين أو رغبة في استعادة الماضي والدروشة في رحابه. ولكننا أمام حالة افتقاد واعية بما جرى وبما يجري. حالة افتقاد لا تريد أن تسجن الشعوب نفسها في التاريخ، ولكنها تريد استلهام هذا التاريخ لكي تنهض من جديد بعد أن تتدارك الخطأ وتصحح المسار وتدرك ما هي العوامل التي وضعتها يوماً على الطريق الصحيح، وما هي العوامل التي أبعدتها اليوم عن هذا الطريق.

عندما رحل عبد الناصر لم يكن في أفضل لحظاته التاريخية. كان قائداً لقي هزيمة مروعة قبل ثلاث سنوات ويفعل المستحيل من أجل تقريب يوم الثأر. وكان هناك من بيننا من أبدى الشماتة في الهزيمة، وكان هناك من صلى ركعتين شكراً لله على هزيمة يونيو!!

لكن الملايين التي خرجت ترفض استقالة عبد الناصر وتعيد تكليفه بالثأر من هذه الهزيمة كانت هي الرد، وهي الدليل على أن هذه الأمة لا تنخدع بسهولة، وهي تملك من الوعي ما يمكنها في ساعات الحسم أن تتخذ الموقف الصحيح.

وقد تحمل الرجل المسئولية، وعاش سنواته الثلاث الأخيرة يقود أصعب معاركه لكي يبني من الصفر جيش المليون مقاتل الذي عبر في حرب أكتوبر، ورغم انه رحل قبل الثأر للهزيمة فقد خرجت الأمة كلها في وداعه وهي تعرف حجم الخسارة التي لحقت بها.

وهو نفس الإحساس الذي يتأكد اليوم - ورغم مرور السنين - لدى ملايين المصريين وهي تتذكر وتقارن، وتدرك أن أحلام الشعوب العظيمة لا تموت. قد تتوقف وقد تنعكس، ولكنها تظل في العقل والقلب معا تنتظر الميلاد الجديد.

في مسيرته القصيرة.. أصاب الرجل واخطأ، قادنا إلى انتصارات مذهلة وإلى هزيمة مريرة، ولكن الأمة تعلم اليوم - وأكثر من أي وقت مضي - انها معه امتلكت مشروعاً للنهوض العربي، وانه في غيابه وصلنا الآن إلى ما نحن فيه، ولكننا وصلنا أيضا إلى اليقين مرة أخرى بأن العروبة ليست خرافة كما زعم الأعداء وأبواقهم الداخلية بل هي المصير الذي يحمي أمن الأمة من الخليج للمحيط، وبدونها نتحول إلى شيع وطوائف وقبائل تتقاتل فيما بينها.

ووصلنا إلى اليقين بان القوة الذاتية وحدها هي التي تحمينا وليست القوى الخارجية التي تبحث عن مصالحها وحدها. ووصلنا مرة أخرى إلى اليقين بأن لا امن ولا استقرار ولا تقدم إلا بعدالة اجتماعية حقيقية كانت إنجازات عبد الناصر على طريقها أحد أهم إنجازاته، وبديمقراطية سليمة لم يتمكن في حياته من إقرارها وعلينا أن نفع.

، وبرؤية شاملة لأمة عربية قادرة على تصنع المستقبل الذي يليق بها والذي تملك كل مقوماته.. رؤية امتلكناها يوماً ولابد أن نعيد صياغتها لنستعيد قدرتنا على صنع الحلم وعلى تحقيقه كما فعلنا يوما في ظروف أصعب بكثير تتذكرها الملايين وهي تقيس واقعها الصعب وتري مستقبل المنطقة يتقرر في غياب العرب أو غيبوبتهم فتردد بأسى : «مكانك في القلوب يا جمال» حتى وإن كان الأصح ان المكان في القلب.. وفي العقل أيضا !!.

كاتب صحافي مصري : elsadattt@hotmail.com