وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تذكرّت، بعد طول تناس وعشية رحيل الإدارة، أن هناك «لجنة رباعية» دولية؛ يمكن رفع ملف المستوطنات الإسرائيلية إليها، للنظر فيه. لم تر في هذا الملف ما يكفي من الخطورة لعرضه أمام مجلس الأمن الدولي.
هذا الأخير ينبغي تركه، كما قالت، للنظر في ما ينزل منزلة التهديد لسلامة ووجود إسرائيل. أما الاستيطان الذي هدّد ولا يزال، المفاوضات وأنابوليس وخرائط ووعود إدارة بوش حول فكرة الدولتين، وبالنهاية السلام في المنطقة؛ فذلك لا يستدعي تدخل مجلس الأمن الدولي لاتخاذ موقف بشأنه.
هذه خلاصة مطالعة الوزيرة، في جلسة عقدها المجلس أول أمس، كانت مخصصة للتداول في موضوع المستوطنات. في السابق دأبت إدارة الرئيس بوش، وبلسان الوزيرة نفسها، على القول بأن هذه القضية، كسائر القضايا الجوهرية الأخرى، متروكة للحوار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. والمعروف أن كل الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ حرب 67، رفضت تصنيف المستوطنات في خانة العمل غير الشرعي.
الذريعة كانت دوماً بأن هذا الأمر متروك للتفاهم حوله، بين الفريقين، بالمفاوضات. هذه الأخيرة أغرقتها إسرائيل بالمماطلة وإهدار الوقت، مع التخريب المنهجي لها. الوزيرة رايس جاءت إلى المنطقة حوالي عشر مرات ولمست ذلك لمس اليد. لم يصدر عنها أكثر من تأفف خجول، بهذا الخصوص. وكان على ما بدا لرفع العتب. أو ربما كان جزءاً من الإخراج وتوزيع الأدوار.
لا تفسير غير ذلك، عندما تتبخّر كل الوعود والاتفاقيات، التي أعطتها وأشرفت عليها إدارة الرئيس بوش؛ وفي ذات الوقت تستفحل حركة الاستيطان وتصبح، كأمر واقع، العقبة الأساسية المانعة لقيام دولة فلسطينية؛ زعم الرئيس بوش أنها لا بدّ وأن تكون دولة «قابلة للحياة»!
واليوم في وقت لم يبق للرئيس بوش سوى ثلاثة أشهر ونيّف في البيت الأبيض؛ تسارع رايس، بعدما بات واضحاً أن لعبة تمرير الوقت قد أخذت مجراها، إلى إحالة هذا الموضوع إلى «اللجنة الرباعية» الدولية. عندما كان الوقت يتسع لهذه اللجنة، لتفعيل دورها باتجاه تزخيم عملية السلام؛ حالت واشنطن دون ذلك. استأثرت بالمسرح. تركت إسرائيل تتمادى بفرض وقائع، تجعل من المفاوضات أمراً مؤجلاً في أحسن أحواله. من حصار واغتيالات واستيطان وتهويد للقدس وغيره.
واشنطن التي رفضت، مع إسرائيل، باستمرار؛ إدخال أي طرف دولي، على خط المفاوضات ومتفرعاتها؛ تزعم الآن بأن» اللجنة الرباعية»، باتت، هي وليس مجلس الأمن، صالحة للنظر في قضية المستوطنات. لو ارتضت ذلك في وقت سابق، لكان في الأمر ما يستدعي التوقف عنده. لكن اليوم ليس فيه أكثر من هروب فجّ، مفضوح ومفلّس.
