عقد مجلس الامن الدولي يوم امس جلسة طارئة لبحث الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بدعوة من المجموعة العربية في الامم المتحدة في خطوة احتجاجية على درجة كبيرة من الاهمية، كرد على انهيار العملية السلمية التفاوضية بعد عشرة اشهر على اطلاقها من قبل مؤتمر انابوليس للسلام.
لجوء العرب إلى مجلس الامن هوالخيار الوحيد في ايديهم، لانهم لا يملكون إي اوراق ضغط حقيقية على الولايات المتحدة راعية العملية السلمية هذه، وأن امتلكوها فإنهم لا يجرؤون على استخدامها، خوفا من العواقب والعقوبات الاميركية.
الخطوة هذه جاءت متأخرة، وبعد أن تضاعفت ممارسات الاستيطان الاسرائيلية عدة مرات، واحرجت الحكومات العربية التي ربطت بين مشاركة وزراء خارجيتها في مؤتمر انابوليس بتجميد الاستيطان، ولكن أن تأتي متأخرة أفضل من أن لا تأتي على الاطلاق، والمهم هو كيفية استغلال هذا الاجتماع لمجلس الامن في الوصول إلى نتائج ملموسة يتم توظيفها في خطوات عملية بعد ذلك على صعيد الداخل الفلسطيني والمجتمع الدولي بأسره.
السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية اظهرت قدراً كبيراً من النفاق السياسي عندما مارست ضغوطا على الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعدم حضور جلسة مجلس الامن هذه، وطالبت الامير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية الذي وقفت بلاده بقوة خلف هذه الخطوة، بسحب طلب انعقاد مجلس الامن او تأجيله لتجنب احراج السيدة تسيبي لفيني رئيسة وزراء اسرائيل المكلفة ومشاوراتها الحالية لتشكيل الحكومة.
نقول نفاقا اميركيا، لان السيدة رايس انتقدت العمليات الاستيطانية الاسرائيلية في الاراضي المحتلة بشدة اثناء زيارتها الاخيرة لرام الله والقدس المحتلة، كذلك فعل غوردون براون رئيس الوزراء البريطاني، ولكن يبدو ان ما يقوله امثال هؤلاء من المسؤولين في مؤتمراتهم الصحافية في رام الله هو للاستهلاك المحلي، وللضحك على ذقون مضيفيهم العرب، اما عندما يصل موضوع الاستيطان إلى مجلس الامن الدولي فإن هذه الانتقادات تذهب هباء، وتحل محلها مواقف داعمة له، وللحكومة الاسرائيلية التي تمارسه في تحد سافر للشرعية الدولية وقراراتها.
لن نفاجأ اذا ما حاولت الادارة الاميركية عرقلة اجتماع مجلس الامن، او اصداره بيانا مخففا لا طعم له او رائحة، او حتى استخدام مندوبها حق النقض 'الفيتو' ضد اي مشروع قرار يدين الاستيطان الاسرائيلي، ويعتبره عقبة اساسية في طريق العملية السلمية.
فالولايات المتحدة الاميركية هي التي شجعت اسرائيل دائما على خرق القانون الدولي، وبناء المستوطنات والاسوار العنصرية العازلة، والاستخدام المفرط للقوة في مواجهة فلسطينيين عزل، وارتكاب جرائم حرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، مثل الحصارات الحالية، ومجزرة بيت حانون التي راحت ضحيتها اسرة العثامنة بكاملها.
نتمنى أن تتمسك المجموعة العربية بموقفها وأن لا تتنازل مطلقا في مواجهة الضغوط الاميركية، من حيث الاصرار على التقدم بمشروع قرار قوي اللهجة إلى مجلس الامن يدين الاستيطان ويطالب بفرض عقوبات مشددة على اسرائيل، حتى لو استخدمت اميركا حق 'الفيتو' ضده، لان البيانات المائعة المخففة التي جاءت نتيجة الرضوخ للضغوط الاميركية تحت مسميات الاعتدال وعدم اغضاب الحليف الاميركي، وتأكيد العرب على رغبتهم في السلام، كلها ادت منفردة او مجتمعة، إلى النتائج المزرية التي نراها حاليا على شكل حملات التغول الاسرائيلي الاستيطانية الوحشية في الاراضي المحتلة.
