كما كان متوقعا, أتي جورج بوش وسيذهب, ولم نشهد للدولة الفلسطينية المستقلة أي أثر! والأسباب كثيرة, ومعروفة, وعلي رأس هذه الأسباب التعنت الإسرائيلي, والذي تتمثل معالمه في تكثيف إسرائيل لعملية بناء المستوطنات.. فأين سيقيم الفلسطينيون دولتهم إذن بينما إسرائيل ماضية بكل دأب في قضم الأراضي التي يمكن أن تقام عليها تلك الدولة الموعودة؟ وقد كان موضوع الاستيطان علي رأس اهتمامات وزراء الخارجية العرب الموجودين في نيويورك حاليا لحضور الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة, ونجح الوزراء العرب في إقناع مجلس الأمن بضرورة عقد جلسة خاصة لمناقشة موضوع المستوطنات, وأيضا حرص وزير الخارجية المصري السيد أحمد أبو الغيط علي الاجتماع بالأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون لبحث دور اللجنة الرباعية الدولية في تحقيق التقدم في عملية السلام والتفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين.
وبالنظر إلى التطورات التي تشهدها الولايات المتحدة علي المستوي الداخلي الآن فإنه لا ينتظر منها أي تحرك مهم في عملية السلام تلك. وهذا ما استشفه المراقبون أمس من تصريحين مهمين أولهما لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية قالت فيه: إن جلسات مجلس الأمن الخاصة بموضوع الاستيطان لا قيمة لها, ولن تحقق أي فائدة لعملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.. وأما التصريح الثاني فقد أدلي به ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية حيث قال: لا تتوقعوا التوصل إلى اتفاق سلام قبل انتهاء ولاية بوش. ومعروف لنا جميعا أن هذه الولاية ستنتهي بعد115 يوما من الآن, كما أن إجراء الانتخابات الرئاسية سيتم بعد40 يوما, ولا يتصور أحد أن هذه الأيام القليلة ستشهد أي تقدم!, ثم إن هناك الأزمة المالية الطاحنة التي يعانيها الاقتصاد الأميركي الآن مما سيجعل الإدارة الأميركية غارقة حتي أذنيها في محاولة الإنقاذ.. ولا عزاء للفلسطينيين!
علي الجانب الآخر فإنه من الضروري علي الفلسطينيين هم أيضا أن يكونوا مستعدين لخوض عملية التفاوض الشاقة سعيا لإقامة دولتهم المستقلة, وهو ما يقتضي توحيد الصف الفلسطيني أولا.. إذ كيف سيتفاوض الفلسطينيون وبينهم كل هذه الخلافات؟ ولا ينكر أحد حجم الجهد المضني الذي تبذله مصر في هذا الصدد, ولا يمضي يوم واحد إلا ونري فيه هذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك قادما إلى القاهرة لمناقشة توحيد الصف الفلسطيني, وسيأتي إلى العاصمة المصرية بعد العيد وفد من حركة حماس لبحث الموقف ومدي إمكانية عقد اتفاق بين حماس وفتح.
لكن الحقيقة الأزلية في هذا الشأن هي أنه لا يمكن للفلسطينيين ـ وهم هكذا متفرقون ـ أن يحصلوا علي شئ, وليس خافيا علي أي لبيب أن هذه الخلافات الفلسطينية تصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل التي ستظل تتلكأ وتسوف إلى أطول زمن ممكن انتظارا لما ستسفر عنه الانتخابات الأميركية, ومعرفة اتجاهات الرئيس الجديد. علي كل حال ليس أمامنا إلا انتظار ما ستأتي به الانتخابات الأميركية, وما ستنتهي إليه تطورات الأزمة المالية الطاحنة عندهم الآن.. لكن قبل ذلك فلا ينتظرن أحد إقامة هذه الدولة المرتقبة خلال هذا العام!
