لو تقدمت كل الدول المعادية لأميركا بحلف استراتيجي يقوض عرشها الدولي وسيادتها العظمى ورهنت مدخراتها وفوائض أموالها في سبيل وضع الدولة الأكبر في الوضع الراهن، لما وجدت أفضل من الرئيس بوش في تقديم هذه الخدمات المجانية التي أغرته بأن يكون توراتياً بمسحة كنسية ويحشد خلفه المتعنصرين، والمتغطرسين من بقايا ال "كوكس كلان" الذين لبسوا عباءتهم باسم المحافظين الجدد، وكل رموز التطرف ممن وضعوا أمامهم خرائط العالم الجغرافية والبشرية يوصلون المقطوع، ويقطعون الموصول بحركات مسرحية هي أقرب إلى الجنون في إدارة دولة عظمى عليها مسؤوليات إنسانية أعظم .
ولعل المباشرة بما قيل عن تصحيح مسار العالم بغزو العراق وأفغانستان ووضع مجلس الأمن والأمم المتحدة في خانة الهامش عن أي إجراء دولي لأن الرب سمح لتلك الفئة أن تقوم بدور النائب في تغيير المسارات العالمية، كانت اختراقاً لناموس إنساني، وضياع لأهداف كانت تخدم العالم وأمريكا معاً لو كان العقلاء وحدهم من طوروا مفهوم الدولة التي أعطت البشرية أعظم المنجزات، ولكنها اخترقتها بأسوأ التصرفات لتشكل الرمز العدائي حتى لأصدقائها.
الآن والأزمات تتصاعد والشكوك أصبحت تساور حتى المنشدين في الجوقة الأميركية أن أحداث 11سبتمبر لا تزال تثير الشكوك بمن حاكَ السيناريوهات وخلق المشكلة، وأن التبعات التي لحقت تلك المأساة بالانحدار السياسي والاقتصادي، الذي اختُتم بأكبر هزة مالية تعيشها أميركا والعالم، أفرزت شكوكاً أخرى بأن معمار الدولة العظمى في حالة انهيار أخلاقي وإداري، وأن اللجوء للأصباغ في تحسين وجه العجائز لا يغير من نمط السلوك السائد، حيث بدأت دول أوروبية رئيسية تسرّب مفهوم افتعال ما يجري في المؤسسات المالية، وأنه جزء من مجرة طويلة تريد سحب العالم إلى كارثة اقتصادية هائلة..
ومثلما القضية تشبه انفجاراً كونياً، فإن إعادة الحلف الاستراتيجي الأميركي إلى هيئات حكيمة وعاقلة تعيد سيرة الاستراتيجيات العليا، والبحث عن مواقع الخلل، أصبح أمراً لابد فيه من إعادة ملف هذه الأزمات إلى لجان على مستوى عال من المسؤولية، وقد يتجه الرأي إلى تقليص المساعدات الدولية، والقواعد العسكرية، والتسلح، وتعطيل مشاريع الفضاء، ووقف النزيف المادي في إثارة الحروب وتوسيع حلف الأطلسي حتى لا تتسع خارطة الأزمات إلى عداوات مع دول ذات نفوذ عالمي كبير، ثم إطلاق رؤى أكثر تسامحاً مع أصحاب الديانات أو وسم بعض الدول بالخارجة عن القانون.
والأخرى تبقى مجرد رافد اقتصادي على حساب مصالحها الداخلية، ونشر فكرة الاستعلاء بالدولة التي لا تُهزم، ثم يأتي، بعد ذلك التدمير ليس من المتطرفين من إسلاميين ويساريين، وحاقدين على النمط الأميركي المتطور فحسب، وإنما جاءت الأسباب والنتائج من داخل رحمها، والمأساة أن هذه الدولة العظمى هي التي ورّطت العالم بأنوارها الحضارية، ومن ثم أطفأتها بسلوكياتها المتهورة، ومع ذلك يبقى الأمل في إصلاح هذه الدولة بأن تعيد مسارسياساتها بمنطق العالم المتداخل لا الانفراد بقوتها التي كانت سبباً في تحطيم غرورها لتشبه فيلاً متوحشاً داخل متحف للخزف.
