لو أن طفلا يحمل كعادته كل يوم حقيبته المدرسية على ظهره ومصروفه اليومي في جيبه، ويسير بخطاه الصغيرة إلى بوابة مدرسته، وإذا به يفاجأ ذات صباح وعلى غير المعهود بأن بوابة المدرسة أصابتها مسحة من الكآبة وألوان سورها الجميلة قد تبددت وملاعبها قد أوحشت من الحركة والنشاط، ولم يبق هنالك إلا فصولها الدراسية بسبب أعمال الصيانة التي بدأت تجرى لها.

وبينما الدهشة والحيرة تستوقفه لاستيعاب هذا التغيير الممجوج والمفاجئ، يأتيه من آخر الشارع صخب قاطرة تجر من ورائها عددا لا حصر له من العربات المزخرفة بالألوان الساحرة وبالأصوات والموسيقى المثيرة والمحمّلة بوسائل اللهو والمتعة وقضاء الوقت في الأشياء المرفّهة؛ ترى كم من الخيارات ستبقى متاحة لهذا الطفل المبهور كي يستخدم عقله الصغير في الترجيح بين الدراسة واللعب؟.

أو لو أن مزارعا ورث المهنة من أبيه كما ورث المزرعة، وليس لديه من المساعدين إلا نفسه، وأقبل عليه موسم من مواسم الزرع والحصاد، وهو يجهل أي محصول هو الذي يُزرع في ذلك الموسم ويأتي أغزر إنتاجا وأفضل تسويقا لتحقيق الربح أو الإيراد الذي يغطي التكاليف في أسوأ الأحوال، ومع ذلك فإنه لا يطيل التردد ولا يكلف نفسه عناء حتى استراق النظر إلى جاره ماذا يصنع، وبدلا من أن يستزرع محصول الصيف فإنه يستزرع محصول الشتاء، أو ربما استزرع علفا للدواب والبهائم بدلا مما يحتاج إليه الناس؛ وأيضا، هل أمام هذا المزارع البائس في تلك اللحظة أي متسع لمزيد من التفكير والمفاضلة بين الأسوأ والأنسب؟.

نعم، لو أن الطفل تخلى عن سذاجته قليلا وتوقف قبل أن ينجرف وراء إغراءات المتعة والمرح، لأدرك فورا أنه لم يأت أساسا من أجل المتعة، وأنه لا يفيده حتى استبدال مدرسة أخرى بمدرسته، ولأدرك أن تركيبة ذلك المرح الماكر بأشخاصه وأدواته وأساليبه لا تمت كلها بصلة للمهمة التي خرج من بيته لأجلها، بل هي عناصر مزيفة، لأنها تجرفه عن الهدف وتلفق له الأكاذيب وتسحره بالرذائل والغوايات بعدما تزيّنهما بمساحيق التجميل والإثارة.

وتشوّش عليه توجيه مهاراته وقدراته العقلية والبدنية والمالية فلا تكتفي بإضاعتها أو تعطيلها بل تضع على منكبيه من الأوزار والخطايا أضعاف ما أفسدت له من عوائد تلك المهارات، وفوق ذلك فإنها تحقنه بجرعة تخديرية لا تمكّنه من استعادة توازنه لتقييم الموقف أو مداواة نزيفه بالندم أو تأنيب الضمير، حتى إذا ما انتبه إلى غلطته لم يجد من الوقت والفرص متسع يكفيه للعودة إلى نقطة البداية ليعيد ترتيب أولوياته أو تغيير خياراته.

كما أن ذلك المزارع لو خلع ثوب بساطته أو خرج من وراء معرفته الخجولة، وعاد بذاكرته القهقرى إلى ظروف الموسم السابق وراجع حساباته، لتذكر فورا أي فرصة فاتته لاستثمار الموسم استثمارا مجديا، وكيف خرج منه صفر اليدين دون أن يجني حتى ما يكفيه قوتا بقية العام، وأي خطأ ارتكب آنذاك حتى انحدر إلى استهلاك خصوبة تربته بل وخسارة المال الذي أنفقه للتخلص من المحصول الذي حصده ولم يقبل به أحد رغم عرضه مجانا بلا ثمن، ولأدرك عندها أن الكثير من التحضير والإعداد كان عليه أن يقوم به وهو يستقبل موسمه الجديد، ولوجد أن أول شيء كان عليه فعله هو أن يدرك أن استيراث المهنة ليس كاستيراث المزرعة، وأن عليه أن يتعلم من الخسارات التي لازمته في كل المواسم السابقة لا أن يلقي بها على قارعة العمر، وأن يبدأ في تطوير ثروته من الخبرة والمعرفة لا أن يتمادى في الانزواء وراء جهله.

بماذا يختلف حال معظم المسلمين اليوم مع قدوم كل موسم رمضاني عن إحدى تلكما الصورتين المحزنتين؟ فينقضي العام تلو العام، وهذا الضيف الجميل الوقور يجيء وفيا مشتاقا في موعده، ثم لا يلبث أن يحمل متاعه ويرحل من حيث أتى، ولا يكاد أحد أن يبجله أو أن يحتفي به كما ينبغي، فلا هم يدخلون مدرسته لأن بوابته المحفوفة بالمشقة تبدو لهم كئيبة وربما منفرة في مظهرها الخارجي.

ولا هم يستزرعون ما يعود عليهم بالنماء والزيادة والبركة، بل الناس فيه متشاغلون أو لاهون بل لاهثون وراء سرابات أو أوهام ما يطلقون عليها زورا وبهتانا صفة رمضانية وما هي برمضانية من الخيام والأعمال الفنية المتلفزة والفعاليات التجارية والرياضية والمجالس، وتراهم يسكرون من خمر بهرجتها وجاذبيتها وإثارتها وما هم بسكارى ولكنهم لا يجدون لبساطتهم وسذاجتهم ما ينجيهم من غشاوة هذه الخدعة الماكرة، فطاشت خطى استثمارهم الرمضاني، وضلت طريقها إلى بورصة ليس لرمضان فيها أسهم ولا سندات ولا سمسار.

لقد شاء التقدير الإلهي الحكيم أن يكون شهر رمضان متعدد المهام والأدوار والمواهب، وأن تكون أعظم مهمة يقوم بها هي مهمته كمدرسة وكمزرعة وكموسم، حتى يجد المؤمنون فيه أكبر قدر من خيارات الخير والمنفعة والفائدة، أما مدرسته فهي موسم دراسي لمراجعة دقيقة ومتأنية مع النفس.

أولا: لتقييم أداء صفحة طويت أو سنة نقصت من أجَلٍ مضى ولن يعود أبدا بكل ما اقترفت فيه من الخير أو الشر، حتى تتبين النفس من أي الخير تستزيد أو عن أي الشر تكفّ؛ وثانيا: لإعادة النظر في كيفية الارتقاء بأداء الممارسات الحياتية وتصحيحها أو تصويبها باستعمال نتائج التقييم في ترميم التشققات في البناء الإيماني والتعبدي والسلوكي لتبقى متسقة ومتناغمة مع المنهج الرمضاني.

وثالثا: لرسم خريطة طريق لسنة قادمة من أجَلٍ آت تتوخى النفس فيه تحديد الدروب الشائكة والسالكة على تلك الطريق، وتحديد الوقت الضروري لكل فعل أو عمل حتى يمكنها تجنب الهدر أو استنزاف هذه الثروة من أجل عائد لا يسمن ولا يغني من جوع.

وأما مزرعته فهي موسم استثماري من أجل حصاد نوعين من المحاصيل لا غنى عنهما لأي مسلم تشربت محبةَ الله تعالى شغافُ فؤاده، أما الأول فهو زاد روحي دنيوي يكفيه لرحلة قادمة في محيط سنة عاصفة ومظلمة، وليستهدي بوميضه إلى خط سيره المرسوم بين التيه والهلاك؛ وأما الثاني فهو زاد رحلة اللاعودة أو الرحلة الأخيرة إلى عالم الحقيقة المطلقة، حيث تنصب الموازين التي لا تزن الذهب والفضة والقمح والشعير، بل تزن ذلك الزاد الذي يحمله المسافر إن كان له وزن أو قيمة فيقبل منه ما يقدمه قربانا للفزع الأكبر، أو إن كان بلا وزن ولا قيمة، فلا يحول بينه وبين هاوية الجرف الذي يتشبث به جاه ولا شفيع.

في الآيات التي زفت إلى النفوس المصدقة عطية الصيام (الآيات 183 - 781 من سورة البقرة) بدأت تلكم الرسالة السماوية بتبشير الصائمين بالمآل «لعلكم تتقون» إلى أن انتهت إلى نفس المآل «لعلهم يتقون»، وكأن التقوى فارزتين ضمتا بينهما تلازم الصيام بوسائل تحقيق التقوى «إن كنتم تعلمون» و «لعلكم تشكرون» و «لعلهم يرشدون».

وبهذا يجيء رمضان كل عام لتتوهج في القلوب الغافلة والحائرة إضاءات العلم والشكر والرشد، فمن ودعه رمضان ولم يقتبس من هذا الموسم المبارك شيئا من ذلك، فلا يقولنّ أنه عاش رمضان، لأنه في الواقع لم يعش إلا ذكريات الجوع والعطش.

كاتب إماراتي

akhalil@dcigroup.ae