في آخر خطاب يلقيه جورج بوش بصفته رئيسا في الأمم المتحدة قبل مغادرته للبيت الأبيض، وقف الرئيس بوش واعظا ومحرضا لقادة العالم على الدول التي لا تحظى بالرضى الأميركي دون أن يعظ نفسه، موزعا شهادات البراءة والإدانة والأوصاف الملتبسة على عدد من دول العالم، كما لو كان رئيسا للأمم المتحدة وليس للولايات المتحدة!
الرئيس بوش قلب الصورة فيما جرى في القوقاز واصفا الرد العسكري الروسي على الهجوم العسكري الجورجي بأنه «انتهاك لميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن حقوقا متساوية لكافة الأمم الكبيرة والصغيرة».
وهو قول صحيح بغير شك، ولكن بوش هو آخر من يحق له الاحتجاج به في مواجهة الآخرين، لأنه آخر من يتبعه وآخر من يحترم ميثاق الأمم المتحدة.. وهو الذي تعالى عليها في البداية وشن الحروب كدولة كبرى على الدول العربية والإسلامية الصغرى، خارج إطار شرعيتها ودون اعتبار لميثاقها الذي ينص على «تحريم العدوان والغزو والاحتلال» وعلى «الحقوق المتساوية للدول الصغرى والكبرى» في الاستقلال والسيادة والأمن، وفي الحق في الدفاع بالمقاومة المشروعة ضد الغزو والاحتلال!
وفيما يعتبر الدفاع الروسي عن حق أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في الاستقلال عن جورجيا عملا «بحق الشعوب في تقرير المصير»، يصف الرد الروسي على الهجوم الجورجي على أوسيتيا لضمها بالقوة طبقا لاتفاقية شاركت فيها الأمم المتحدة وروسيا لحفظ السلام ومنع استخدام القوة، بأنه «انتهاك لميثاق الأمم المتحدة».. متناسيا أن ما فعلته روسيا بالاعتراف باستقلال أوسيتيا وأبخازيا وضرب جورجيا، هو نفس ما فعلته الولايات المتحدة بالاعتراف باستقلال كوسوفا عن صربيا وقصف قوات الناتو بقيادة أميركية ليوغسلافيا الاتحادية لتفكيك اتحادها، وهو في الحالتين يتبع سياسة المعايير المزدوجة!
وفيما يتجاهل مخاطر امتلاك إسرائيل للسلاح النووي على الأمن والسلام في الشرق الأوسط، وفيما تناسى أن بلاده تملك أكبر ترسانة عسكرية نووية، حرض الرئيس الأميركي المنظمة الدولية على فرض عقوبات على إيران التي لا تملك برنامجا عسكريا نوويا بشهادة الوكالة الدولية للطاقة النووية، وعلى كوريا الشمالية التي ما سعت لامتلاك السلاح النووي لولا التهديد الأميركي لها بوضعها في محور الشر، وما كانت لتسرع فيه لولا العدوان الأميركي على العراق!
يأتي هذا الخطاب التحريضي من جانب بوش ضد كوريا الشمالية، في الوقت الذي عادت فيه كوريا لاستئناف برنامجها العسكري النووي، وأزالت الأختام من على المفاعل النووي الكوري، ومنعت مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخوله، في تحد واضح لأميركا بعدما كادت أن توقف برنامجها النووي العسكري لولا نكوث الولايات المتحدة بتعهداتها لبيونج يانج بعد التجاوب الكوري مع الضمانات المقدمة خلال المفاوضات السداسية..
كما يأتي هذا الخطاب التحريضي ضد إيران في الجمعية العامة، بعدما فشلت الضغوط الأميركية في استصدار قرارات جديدة لتشديد العقوبات على طهران من مجلس الأمن الدولي، لمعارضة روسيا والصين العضوين الدائمين بالمجلس ودول أخرى، وتزامنا مع الإعلان عن فشل عقد الاجتماع السداسي من خارج مجلس الأمن الذي يضم الدول الخمس الكبرى + ألمانيا، بضغط روسي!.. هكذا تخسر أميركا بموقفها الخاطئ مع جورجيا رغم كلامها الصحيح، وتكسب كوريا وإيران برد الفعل الروسي.. إنها سياسة المعايير الصحيحة في الموقع الخطأ والمعايير الخاطئة في الموقع الصحيح!
كاتب مصري
