بتحرك حاسم على أعلى درجات الجرأة، أعادت كوريا الشمالية تشغيل مجمعها النووي الرئيسي لاستئناف إنتاج مادة البلوتونيوم التي تصنع منها القنابل النووية.

إنه تحدٍ سافر ومباشر للولايات المتحدة، لكن الإدارة الأميركية لم تجد ما تقول سوى التعبير عن «خيبة أمل».. ولم تجد ما تفعل سوى «مناشدة» السلطة الكورية بالعودة عن قرارها.

اختفت لغة التهديد الأميركية التقليدية التي تستخدم في مثل هذه المواقف عندما تتحدى دولة صغيرة القوة العظمى علناً. لماذا؟ لأن قيادة كوريا الشمالية ببساطة استوعبت الدرس العراقي فاستخلصت منه حكمة: لا تفرط في قوتك النووية.. فهي الرادع الأكبر لنوايا عصابة «المحافظين الجدد» في البيت الأبيض تجاه الدول الصغيرة المتمردة على عصر الهيمنة الأميركية. وكأن القيادة السياسية العليا الكورية أرادت أن يكون تحديها لأميركا مضاعفاً، فأعلنت مقدماً قرارها الخطير قبل أسبوع من وضعه موضع التنفيذ. وبقدر ما كان القرار الكوري حاسماً فإنه كان أيضاً شاملاً.

فلم تكتفِ السلطة الكورية بإعادة تشغيل مجمع يونجبيون، بل عمدت في الوقت نفسه إلى طرد فريق المراقبين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأزالت أختام وكاميرات الوكالة من على المجمع.

وكانت السلطة الكورية قد أغلقت المجمع أصلاً بناء على اتفاق تفاوضي مع الولايات المتحدة وخمس دول أخرى، في مقابل مكافآت تعهدت بها واشنطن. كانت عملية تفاوضية من ذلك النوع الذي يدرك فيه أحد الطرفين الرئيسيين (كوريا الشمالية وأميركا في هذه الحالة) أن أي اتفاق لن يغير شيئاً من النوايا العدوانية للطرف الآخر، فليس سراً أن أميركا تريد إزالة كوريا الشمالية من على وجه الوجود، بتجريدها أولاً من رادعها النووي.

من هنا كان درس الحالة العراقية، على طول الخط التفاوضي لم ينس المفاوض الكوري أنه لو كان لعراق صدام حسين ترسانة من القنابل النووية أو أسلحة الدمار الشامل الأخرى، لما فكرت واشنطن في ركوب المخاطرة الجسيمة بغزوه واحتلاله وتصفية قيادته الحاكمة. وعلى الوجه الآخر كان الجانب الأميركي يدرك بطبيعة الحال أن شن هجمة ضارية على كوريا الشمالية سوف يكون أقوى حافز للقيادة الكورية للجوء إلى ترسانتها النووية. ولا شك أن إيران استوعبت أيضاً الدرس العراقي.

opinion@albayan.ae