قد لا تكون عملية الدهس التي قام بها فلسطيني في القدس الغربية هذا الأسبوع ضد عدد من الجنود الإسرائيليين مستخدما شاحنة - وهي ثالث عملية من نوعها خلال الاشهر الأخيرة - قد لا تكون مصادفة، خاصة وانها تزامنت مع تكليف الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني رسميا بتشكيل الحكومة الإسرائيلية خلفا لايهود أولمرت الذي هزمته ليفني في انتخابات حزب كاديما. واستقال من منصبه محاطا بقضايا فساد.

غير انه من المؤكد ان هناك خيطا ورابطا قويا يجمع بين أولمرت وليفني، ليس فقط لكونهما عضوين بارزين في حزب كاديما الإسرائيلي، ولكن أيضا لأنهما معا استطاعا خلال فترة تولي أولمرت لمنصب رئيس الوزراء، وتولي ليفني لمنصبها كوزيرة لخارجية إسرائيل، استطاعا ان يبددا الوقت وان يفوتا على الرئيس الامريكي فرصة التوصل إلى اتفاق ولو مبدئي للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وعد بوش كثيرا بأنه سيتم التوصل إليه قبل مغادرته منصبه.

وما لم تكن هناك نقاط اتفاق كثيرة بين أولمرت وليفني حول ما يتصل بالسلام مع الفلسطينيين وكيفية إدارة هذا الملف، ربما كانت النتائج قد اختلفت على نحو أو آخر، خاصة وان الفلسطينيين قدموا في الواقع كل مايمكنهم من أجل الدفع نحو التوصل إلى اتفاق مبدئي قبل نهاية ولاية الرئيس الامريكي. ولكن رئاسة ليفني للجانب الإسرائيلي في المفاوضات مع الفلسطينيين كانت في الحقيقة من أسباب تبديد هذه الفرصة.

على أية حال فإنه بعد استقالة ايهود أولمرت وبدء ليفني مشاوراتها لتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، فإن تساؤلا كبيرا يطرح نفسه حول مصير عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. وسواء نجحت تسيبي ليفني في تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة - وهي ستبذل كل جهودها ومساعيها للنجاح في ذلك - أو تعثرت - وهو احتمال محدود، فإنه من المعروف على امتداد العقود الماضية انه من الخطأ وبالذات بالنسبة للجانب العربي تعليق أية آمال أو توقعات على ما يمكن ان يترتب على التغيير في مواقع المسؤولين الإسرائيليين.

فخبرة العقود الماضية أكدت دوما على انه لا توجد خلافات حقيقية أو جوهرية بين المسؤولين الإسرائيليين، سواء كانوا من حزب العمل أو الليكود أو كاديما، ليس فقط لأن كل الأحزاب الإسرائيلية تلتقى على أسس وخطوط لا تحيد عنها، ولكن ايضا لأنها جميعها تتبارى حول الحصول من الفلسطينيين والعرب على أكبر مساحات من الأراضي وأفضل شروط ممكنة للسلام مع العرب. وبالتالي تظل صراعاتهم السياسية مرتبطة بأوضاع وعوامل داخلية بشكل أساسي.

وفي ضوء ذلك فإنه إذا كانت تسيبي ليفني قد استطاعت وهي تشغل منصب وزيرة الخارجية ان تبدد الوقت وان تستنفذ فرص التوصل إلى اتفاق في ظل الإدارة الامريكية الحالية، فإنه ستعمد بالضرورة إلى تشديد الموقف الإسرائيلي خلال توليها منصب رئيسة الوزراء، ليس فقط حفاظا على ائتلافها الذي ستشكله، ولكن ايضا للحصول من الإدارة الامريكية الجديدة على قدر آخر من المكاسب لقاء ما كان سيتم التوصل إلى اتفاق بشأنه خلال هذه الفترة. وبذلك تحقق إسرائيل مزيدا من المكاسب على حساب الفلسطينيين.

جدير بالذكر انه في الوقت الذى تسعى فيه ليفني إلى تشكيل ائتلاف حكومي قوي، فإن المأساة هي ان حركتى فتح وحماس لا تزالان تتعاركان وتتبادلان الاتهامات والمكائد وكل ما من شأنه ان يعمق الخلافات والشروخ داخل الصف الفلسطيني وهو أمر يدفع الشعب الفلسطيني ثمنه غاليا من حاضره ومن مستقبل قضيته ايضا. أما ليفني فإنها بالقطع سعيدة بكل تلك الانشقاقات بل وتعمل على تعميقها بكل السبل الممكنة.