في لقائه مع الجالية الفلسطينية في واشنطن، اكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصميمه على الاستمرار في مفاوضات السلام مع اسرائيل حتى لو لم تتمخض عن اتفاق بقيام الدولة الفلسطينية بنهاية هذا العام، حسب تعهدات الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، الامر الذي يعني انه لا يبحث عن اي بدائل اخرى، رغم اعترافه بعدم تحقيق اي انجاز، ولو صغير، من جراء العملية التفاوضية الحالية.

وكان لافتا ان الرئيس عباس شن هجوما شرسا على الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي وصفها بانها دمرت حياة الشعب الفلسطيني، دون ان يذكر ايجابية واحدة لها، خاصة تأثيراتها الكبيرة في زعزعة الاستقرار الاسرائيلي، وضرب السياحة العبرية، وتخفيض اعداد المهاجرين اليهود الى اسرائيل بمعدلات كبيرة، مما يعني انها لم تعد خيارا مطروحا على اجندة اعماله كرد على فشل المفاوضات.

ومن المفارقة ان تصريحات الرئيس عباس هذه تتزامن مع تقرير اصدرته وكالات مساعدات انسانية تابعة للامم المتحدة اكد فشل اللجنة الرباعية للشرق الاوسط في احراز اي تقدم لتحسين احوال الفلسطينيين، او ايقاف الاستيطان في الاراضي المحتلة، او ازالة الحواجز التي تعيق الحركة وتشل الاقتصاد في الضفة الغربية، او رفع الحصار الخانق عن مليون ونصف مليون انسان في قطاع غزة.

الرئيس عباس لا يريد ان يعترف بفشل خياره التفاوضي، وعدم قدرته في الوقت نفسه على البحث عن خيارات اخرى، لانه بات رهينة هذا الخيار الذي سجن نفسه خلف قضبانه، الامر الذي يعني ان الشعب الفلسطيني مقبل على فترة من الصراعات بعد انتهاء فترة الرئيس الامريكي الحالي.

فالاستمرار في التفاوض يستلزم حصول الرئيس عباس على تفويض فلسطيني من قبل المؤسسات والمرجعيات الشرعية الفلسطينية، وهذا أمر غير ممكن بسبب حالة الشلل والجمود التي تعيش في ظلها هذه المؤسسات، بسبب انتهاء صلاحيتها الدستورية منذ عدة سنوات.

فالمجلس الوطني الفلسطيني فاقد الشرعية لانه لم يعقد بشكل قانوني منذ عقد ونصف العقد، وكذلك اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية المنبثقين عنه، أما المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب ففي حالة تجميد، سواء بسبب اعتقال قيادته ونسبة كبيرة من أعضائه، أو بسبب الخلاف بين قطبي المعادلة السياسية الفلسطينية 'فتح' و'حماس'، منذ استيلاء الأخيرة على السلطة في غزة بالوسائل العسكرية.

وتظل مسألة شرعية رئاسة الرئيس عباس موضع العديد من علامات الاستفهام بعد انتهائها رسميا بنهاية هذا العام. فحركة 'حماس' التي حصلت على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات الأخيرة أعلنت أنها لن تعترف بهذه الرئاسة وشرعيتها بعد التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل.

والسؤال هي حول كيفية استمرار الرئيس عباس في عملية تفاوضية تتناول التسوية الدائمة، في ظل هذه الشكوك حول شرعيته، ثم كيف سيوقع اي اتفاقيات في ظل حال الانقسام الراهنة في اوساط الشعب الفلسطيني؟

الاستمرار في التفاوض في ظل استمرار الاستيطان والحصارات الخانقة، وبناء السور العازل، والخلافات داخل حزبه الحاكم 'فتح' حول زمان ومكان انعقاد المؤتمر العام للحركة، هي شكل من أشكال العبث والافلاس السياسي، والجمود وانعدام الرؤية، وادارة الظهر بالكامل لتاريخ الشعب الفلسطيني وتجاربه الابداعية في المقاومة بأشكالها المشروعة كافة.